مقالات وشعر

سماء أوروبا على صفيح ساخن: تهديدات بالقنابل ومقاتلات حربية تعترض الرحلات الجوية وسط مخاوف من “الحرب الهجينة”

بقلم: عبدالعزيز عطيه العنزي 

تشهد أجواء ومطارات القارة الأوروبية في الآونة الأخيرة حالة غير مسبوقة من الاستنفار الأمني والجوّي، إثر تعرض قطاع الطيران المدني لسلسلة متزامنة ومكثفة من بلاغات الإنذار بوجود قنابل، وهو ما وضع المنظومة الأمنية والتشغيلية للنقل الجوي أمام اختبار قاسي ومعقد.

حصيلة غير معتادة واستنفار جوّي

خلال أيام معدودة، سجلت الأجواء الأوروبية تصاعداً ملحوظاً في البلاغات الأمنية الكاذبة والتهديدات التي طالت رحلات جوية دولية ومحلية، حيث تجاوزت الحصيلة نحو عشرين إنذاراً نُفذت في فترات متقاربة للغاية—من بينها نحو 12 إنذاراً في يوم واحد—في سابقة تُعد الأضخم من نوعها من حيث التنسيق الزمني.

هذه التهديدات دفعت بسلطات الدفاع الجوي في عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وإيطاليا، إلى تفعيل بروتوكولات الطوارئ القصوى، حيث أُجبرت القوات الجوية على إقلاع مقاتلات حربية لاعتراض ومرافقة رحلات مدنية تابعة لشركات طيران مختلفة (مثل “رايان إير” و”فين إير”)، وتأمين هبوطها الاضطراري في مطارات مخصصة وقواعد عسكرية بعيدة عن التجمعات السكانية الكبرى لإخضاعها للتفتيش الدقيق.

هلع وارتباك تشغيلي

أسفرت هذه الموجة عن شلل جزئي وتأخيرات واسعة النطاق في حركة الملاحة الجوية التي تربط المدن الأوروبية، وشملت طائرات متجهة إلى وجهات متعددة في التشيك، وإيطاليا، وإسبانيا، وبلغاريا، وغيرها. وفور هبوط الطائرات المستهدفة، تدخلت فرق مكافحة المتفجرات والكلاب البوليسية لتمشيط الهياكل بدقة بالغة، فضلاً عن إخلاء الركاب وإخضاع أمتعتهم لإجراءات أمنية مشددة تسببت في تكدس آلاف المسافرين وتعطيل جداول الرحلات لأيام.

أصابع الاتهام وواجهة “الحرب الهجينة”

ورغم أن نتائج عمليات التفتيش والمسح الأمني أثبتت حتى الآن أن الغالبية العظمى من تلك البلاغات كانت “سلبية” ولم يُعثر على أي مواد متفجرة أو أجهزة تفجير على متن الطائرات، إلا أن الدوائر الأمنية وخبراء الطيران والدفاع يعاملون هذه الظاهرة بأقصى درجات الجدية.

ويرجح المحللون أن هذه الحملة الممنهجة تندرج تحت تكتيكات “الحرب الهجينة” (Hybrid Warfare)؛ والتي تهدف إلى:

استنزاف الموارد الأمنية: إرهاق الأجهزة الاستخباراتية وفرق الطوارئ وقوات الدفاع الجوي عبر إشغالها بإنذارات متواصلة.

الضغط الاقتصادي والتشغيلي: تكبيد شركات الطيران والمطارات خسائر مادية باهظة ناجمة عن تأخير الرحلات، وتحويل المسارات، واستهلاك الوقود الإضافي.

صناعة الهلع: زعزعة الثقة الشعبية في أمان وسائل النقل الجوي الأوروبية، وخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي والعام دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.

آفاق التحقيقات والجاهزية المستقبلية

تواصل وكالات إنفاذ القانون والأجهزة الأمنية الأوروبية تحقيقاتها المكثفة لتعقب مصدر تلك التهديدات الرقمية والاتصالات الوهمية، وسط ترجيحات بأنها تُدار عبر شبكات منظمة أو تقنيات إخفاء هوية متطورة. وفي المقابل، رفعت شركات الطيران والمطارات الأوروبية من مستوى جاهزيتها التشغيلية، مع فرض بروتوكولات فحص أكثر صرامة، مما يضع صناعة الطيران المدني أمام واقع جديد يتطلب مرونة فائقة وتنسيقاً عابراً للحدود لمواجهة هذه التهديدات المستحدثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى