
بقلم الإعلامي صالح المحجم
حدثني أبي ذات مساء وقال: يا بني ياصالح… لا أدري هل تغير الزمن فقط أم أن الناس هم الذين تغيروا معه.
كنت أقول لك إننا كنا نعيش زمنًا مختلفًا.
زمنًا كان للحياء فيه مكان.
وكان للبيت حرمته.
وكانت للزوجة خصوصيتها.
وكان الرجل يعرف أن هناك أشياء لا ينبغي أن يراها أحد غيره.
ثم سكت أبي قليلًا وقال:
كانوا قديمًا إذا علمت المرأة أنها حامل فرحت بنعمة الله عليها.
لكنها ربما استحت أن تخبر إخوتها وأهلها.
لم تكن تستحي من الحمل.
حاشاها.
ولكنها كانت تعرف أن بعض الأفراح لا تحتاج إلى جمهور.
وكانت تعرف أن في حياة الإنسان أشياء كلما بقيت مستورة ازدادت جمالًا.
أما اليوم يا بني
فقد أصبحت بعض الأفراح الخاصة حفلات عامة.
والحمل الذي كان خبرًا بين الزوجين والأسرة أصبح عند البعض مناسبة للتصوير والنشر والاستعراض.
ثم قال أبي:
كان الرجل إذا حمل زوجته على فرسه يشعر أن المكان الذي جلست فيه زوجته له خصوصية.
وكانت الغيرة عند الرجال قديمًا شديدة.
ليس معناها ظلم المرأة أو التحكم بها.
ولكن كان الرجل يرى أن زوجته أمانة في عنقه وأن كرامتها من كرامته.
أما اليوم فقد ترى الرجل نفسه يقيم الحفلات لزوجته ويصورها ويرقص معها أمام الناس ويعرض تفاصيل حياتهما الزوجية للغرباء.
ثم قال أبي وهو يهز رأسه:
حتى الغرفة التي كانت بالأمس لا يدخلها إلا الزوج وزوجته أصبحت عند بعض الناس مكانًا للبث المباشر.
الغرفة التي كانت رمزًا للستر أصبحت خلفية أمام آلاف الغرباء.
والبيت الذي كان له باب يغلق على أسراره أصبح هاتفًا مفتوحًا على العالم.
ثم قال:
يا بني
كان عندنا شيء اسمه الخصوصية.
كان هناك حديث لا يقال خارج البيت.
وكان هناك موقف لا يصور.
وكان هناك خلاف لا يعرفه أحد.
وكان هناك فرح نحتفظ به لأنفسنا.
أما اليوم فقد أصبح الهاتف مفتاحًا لكل الأبواب.
نصور الطعام.
نصور البيوت.
نصور المناسبات.
نصور الأبناء.
نصور تفاصيل حياتنا.
وأحيانًا نصور أشياء كان أجدادنا يعدون ظهورها أمام الغرباء أمرًا لا يليق.
ثم نقول:
هذه حرية شخصية.
قال أبي:
يا بني
ليست كل حرية تستحق أن تمارس أمام الناس.
وليس كل ما تستطيع نشره يستحق أن تنشره.
وليس كل ما يحقق المشاهدات يليق أن يكون قدوة.
ثم انتقل أبي إلى حديث آخر وقال:
كان الأب يعمل.
وكانت الأم تربي.
وكان الأبناء يعرفون أن البيت مدرسة.
واليوم قد يعمل الأب وتعمل الأم.
وليس في عمل المرأة عيب.
لكنني أخشى أن ينشغل الأب والأم عن أبنائهما ثم يبحثا بعد سنوات عن سبب تغيرهم.
حين يعود الأب متعبًا.
وتعود الأم متعبة.
ويجلس الأبناء أمام الشاشات بالساعات.
فمن يربيهم؟
ومن يعلمهم الأدب؟
ومن يغرس فيهم الرجولة؟
ومن يعلم البنات الحياء؟
ومن يعلم أبناءنا أن الحياة ليست شاشة وهاتفًا ومتابعين؟
ثم قال أبي:
كنا نفرح بالشاب الذي يعتمد عليه أهله.
الشاب الذي يعمل ويتعب ويتحمل المسؤولية.
وكانت الأم تفرح بأن ترى في ابنها قوة وشهامة ومروءة.
أما اليوم فقد أصبح بعض الشباب يطارد الشهرة والمظهر والإعجاب.
وأصبح عدد المتابعين عند البعض أهم من عدد المواقف التي تثبت قيمته.
قلت لأبي:
وهل الرجولة في القوة؟
فقال:
لا يا بني.
الرجولة ليست صوتًا مرتفعًا.
وليست مظهرًا.
وليست ثوبًا.
وليست ادعاءً.
الرجولة أن تكون سندًا.
أن تتحمل المسؤولية.
أن تحفظ بيتك.
أن تصون أهلك.
أن تكون حاضرًا عندما يحتاجك من يعتمد عليك.
ثم قال:
والغيرة يا بني ليست تسلطًا.
وليست شكًا.
وليست ظلمًا.
ولكن الغيرة حين تكون في موضعها الصحيح تعني أن الإنسان يعرف قيمة ما لديه ويحافظ عليه.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«من قُتل دون أهله فهو شهيد»
ثم تنهد أبي وقال:
يا بني
أخشى أن يأتي زمن يصبح فيه الحياء شيئًا يستحي الإنسان من أن يتمسك به.
وأن يصبح الستر تخلفًا.
وأن تصبح الخصوصية غموضًا.
وأن يصبح الرجل الذي يحفظ أسرار بيته موضع استغراب.
وأن يصبح الذي يعرض أسراره أمام الناس هو الذي يقال عنه:
إنه يعيش حياته.
ثم قال:
وانظر إلى العلاقات.
كان الناس يعرفون حدودهم.
وكان الرجل يعرف من تخاطب زوجته.
وكانت المرأة تعرف من يدخل حياتها.
أما اليوم فقد أصبحت بعض العلاقات مع الغرباء أمرًا عاديًا عند البعض.
أرقام تتبادل.
ورسائل تتواصل.
وصداقات تنشأ.
ثم يقال:
نحن في زمن مختلف.
نعم.
الزمن مختلف.
لكن يا بني
هل اختلاف الزمن يعني أن ننسى الحياء؟
هل يعني أن نسخر من القيم؟
هل يعني أن كل ما كان مستنكرًا بالأمس يجب أن يصبح طبيعيًا اليوم؟
ثم قال أبي:
أخشى من شيء أكبر.
أن يصبح بعض مشاهير المنصات هم من يربون أبناءنا بدلًا منا.
هم من يعرّفون لهم معنى النجاح.
وهم من يعرّفون لهم معنى الجمال.
وهم من يعرّفون لهم معنى الرجولة والأنوثة.
يصبح الشخص مشهورًا لأنه يعرض حياته.
ثم يصبح عرضه لحياته نموذجًا.
ثم يصبح النموذج عادة.
ثم تصبح العادة ثقافة.
ثم إذا قلت لهم:
هذا لا يليق
قالوا:
أنت متخلف.
ثم ابتسم أبي وقال:
لا يا بني.
ليست كل دعوة إلى الحياء تخلفًا.
وليست كل دعوة إلى الستر رجعية.
وليست كل قيمة قديمة بحاجة إلى أن نعتذر عنها.
هناك أشياء تتغير.
وهناك أشياء يجب أن تبقى.
فالزمن يتغير.
لكن الأخلاق لا ينبغي أن تتغير كلما تغيرت الموضة.
ثم ختم أبي حديثه وقال:
لا أريدكم أن تعودوا إلى الماضي.
ولا أريدكم أن ترفضوا الحاضر.
خذوا من الحاضر علمه وتقدمه وتقنيته.
لكن لا تأخذوا منه كل ما يهدم قيمكم.
واحتفظوا من الماضي بأجمل ما فيه:
الحياء.
والستر.
والشهامة.
والوفاء.
واحترام الأسرة.
وتعظيم المسؤولية.
ثم نظر إليّ أبي وقال:
يا بني
ليست المشكلة أن المرأة أصبحت تعمل.
وليست المشكلة أن الرجل أصبح يستخدم التقنية.
وليست المشكلة أن الحياة تغيرت.
المشكلة حين يصبح الإنسان عبدًا لنظرة الناس.
يضحك لأن الناس تريد منه أن يضحك.
ويرقص لأن الكاميرا مفتوحة.
ويصور لأن المتابعين ينتظرون.
ويكشف خصوصيته لأن المشاهدات ارتفعت.
ثم يعود إلى غرفته في آخر الليل ويسأل نفسه:
ماذا بقي لي لا يعرفه الناس عني؟
سكت أبي.
وسكت أنا.
لكن كلماته بقيت في رأسي.
وفهمت يومها أن أبي لم يكن يتحدث عن الماضي وحده.
كان يتحدث عن شيء أخشى أن نفقده نحن.
الحياء.
وكان يتحدث عن بيت أخشى أن يتحول إلى شاشة.
وعن أسرة أخشى أن تصبح محتوى.
وعن أبناء أخشى أن يتعلموا من الغرباء أكثر مما يتعلمون من آبائهم.
لقد كنا نخشى أن يعرف الناس أسرار بيوتنا.
وأصبحنا اليوم نخشى ألا يعرف الناس أخبار بيوتنا.
يا لها من مفارقة.
كان الحياء زينة.
فأصبح عند البعض تهمة.
وكان الستر هيبة.
فأصبح عند البعض غموضًا.
وكانت الخصوصية قيمة.
فأصبحت عند البعض خسارة في المشاهدات.
وكان البيت مملكة.
فأصبح عند البعض استوديو.
وكان الأبناء أمانة.
فأصبح بعضهم جمهورًا لمحتوى والديهم.
فماذا ربحنا؟
ربحنا سرعة التواصل.
وخسر بعضنا دفء التواصل.
ربحنا آلاف المتابعين.
وخسر بعضنا أقرب الناس إليه.
ربحنا قدرة العالم على رؤيتنا.
وخسر بعضنا القدرة على الاحتفاظ بشيء لأنفسنا.
ولذلك كلما تذكرت حديث أبي أعود إلى سؤال واحد:
هل كل ما يجوز لي أن أفعله يجوز لي أن أعلنه؟
فبعض الأشياء حين تُستر تزداد جمالًا.
وبعض العلاقات حين تُحفظ تزداد قوة.
وبعض البيوت حين تُغلق أبوابها عن أعين الناس تفتح أبواب السكينة.
وأبي لم يكن يطلب منا أن نعيش في الماضي.
كان يطلب منا فقط ألا نفقد أنفسنا ونحن نعيش في الحاضر.
فليس كل ما يصفق له الناس يستحق أن نفتخر به.
وليس كل ما يحقق المشاهدات يستحق أن يكون قدوة.
وليس كل ما يسمى حرية يستحق أن نمارسه.
فقد يأتي يوم نكتشف فيه أننا لم نفقد عادات قديمة فقط…
بل فقدنا معها أشياء كانت تجعلنا نحن.
وحين يصبح الحياء تخلفًا والخصوصية محتوى
فلا تسألوا عن تغير الزمن.
اسألوا أنفسكم:
ماذا فعلنا نحن بقيمنا حين تغير الزمن؟





