مقالات وشعر

في زمن التحديات.. لا تجعل هاتفك عيناً مجانية لمن يستهدف وطنك

بقلم/ سعود حماد العنزي

تمر المملكة العربية السعودية بمرحلة تتطلب وعياً مجتمعياً يوازي قوة مؤسساتها ويقظة أجهزتها. وفي ظل ما تشهده المنطقة من توترات ومتغيرات أمنية متسارعة، فإن المسؤولية لم تعد مقتصرة على رجال الأمن والجهات المختصة؛ فالمواطن والمقيم شريكان في حماية أمن المجتمع، ومن أبسط صور هذه الشراكة: أن نعرف ماذا نصوّر، وماذا ننشر، ومتى نصمت.

لقد أصبح الهاتف المحمول نافذة مفتوحة على العالم. وما تلتقطه عدسة شخص في شارع أو حي قد يصل خلال ثوانٍ إلى آلاف الحسابات داخل المملكة وخارجها. ومن هنا تبدأ المسؤولية.

عند وقوع حدث أمني أو طارئ، قد يسارع البعض إلى تصوير السماء أو موقع الحادث، أو آثار سقوط جسم أو شظايا، أو تحركات الدوريات والجهات الأمنية وفرق الطوارئ، ثم ينشر المقطع ويحدد المكان والوقت وربما الشارع والحي.

ولكن هل فكرنا لحظة: من يشاهد ما ننشره؟

في الظروف الحساسة، قد تتحول صورة عابرة إلى معلومة، ومقطع قصير إلى تحديد لموقع، وتعليق بسيط إلى كشف لتوقيت أو تحرك ميداني. وقد تُجمع عشرات المقاطع المنشورة من أشخاص مختلفين لتكوين صورة أشمل عن حدث لم تعلن الجهات المختصة تفاصيله بعد.

وهنا يصبح الأمر أكبر من مجرد «سنابة» أو تغريدة أو مقطع يبحث صاحبه من خلاله عن السبق والمشاهدات.

هوس المشاهدات ليس مبرراً

المؤسف أن الرغبة في أن يكون الشخص «أول من نشر» قد تدفع البعض إلى تجاوز أبسط قواعد المسؤولية.

فما قيمة آلاف المشاهدات إذا كان ثمنها كشف موقع حساس؟ وما قيمة السبق إذا تسبب في نشر الخوف أو الشائعة؟ وما المكسب في تصوير مصاب أو متوفى أو أسرة تعيش لحظة مؤلمة؟

أمن الوطن ليس محتوى، وأحداثه الحساسة ليست ميداناً للتنافس على المشاهدات.

ومن غير المقبول أن يبذل رجال الأمن والجهات المختصة جهودهم في الميدان، ثم يأتي شخص بهاتفه ليبث تحركاتهم أو مواقعهم مباشرة أمام الجميع دون أن يدرك النتائج التي قد تترتب على ذلك.

ولا يعني هذا أن نتوقف عن التوثيق.

هناك فرق كبير بين التوثيق المسؤول والنشر العشوائي. قد توثق حدثاً لتقديمه للجهة المختصة، وقد تكون الصورة أو المعلومة التي لديك ذات أهمية كبيرة، لكن ذلك لا يعني أن مكانها الأول منصات التواصل الاجتماعي.

إذا شاهدت أمراً يثير الاشتباه أو حدثاً مهماً، فأبلغ الجهات المختصة. وإذا امتلكت صورة أو مقطعاً قد يفيدها، فاحتفظ به وقدمه لها. أما أن تتحول كل حادثة إلى بث مباشر وتحليلات واجتهادات وتحديد مواقع، فذلك سلوك يحتاج إلى مراجعة جادة.

وفي هذه المرحلة تحديداً.. الوعي ضرورة

ما تمر به المنطقة من تطورات يجعلنا أحوج من أي وقت مضى إلى ثقافة مجتمعية تفهم أن المعلومة لها قيمة، وأن الخصوم لا يعتمدون دائماً على مصادر سرية للحصول عليها؛ فهناك كم هائل من المعلومات المنشورة علناً عبر منصات التواصل.

ولهذا، قبل أن تضغط زر «نشر»، اسأل نفسك:

هل يحتاج الناس فعلاً إلى مشاهدة هذا المقطع؟

هل يظهر موقعاً أو معلماً يمكن من خلاله تحديد المكان؟

هل يكشف تحركات أمنية أو ميدانية؟

هل يتضمن أشخاصاً أو مصابين أو معلومات خاصة؟

هل ما سأكتبه حقيقة مؤكدة أم مجرد استنتاج شخصي؟

وهل من الأفضل أن تصل هذه المعلومة إلى الجهات المختصة بدلاً من أن تصل إلى الجميع؟

ثوانٍ قليلة من التفكير قد تمنع خطأً لا يمكن التراجع عنه؛ لأنك تستطيع حذف المقطع من حسابك، لكنك لا تستطيع ضمان حذفه من آلاف الأجهزة بعد انتشاره.

الوطن أكبر من «الترند»

المملكة دولة مؤسسات، ولديها جهات رسمية مسؤولة عن إعلان المعلومات والتعامل مع الأحداث، والثقة بالمصادر الرسمية وعدم استباقها بالشائعات والاجتهادات جزء من الوعي الذي يحتاجه المجتمع في أوقات التوتر.

الوطن اليوم لا يحتاج فقط إلى من يقول: أنا أحب السعودية، بل يحتاج إلى من يترجم هذا الحب إلى تصرف مسؤول.

قد يكون موقفك الوطني ألا تنشر صورة.

وقد تكون خدمتك لوطنك ألا تكشف موقعاً.

وقد تكون مشاركتك في حماية المجتمع أن توقف مقطعاً وصل إليك بدلاً من أن تعيد إرساله.

وقد يكون وعيك الحقيقي أن تنتظر المعلومة الرسمية بدلاً من أن تصبح جزءاً من صناعة الشائعة.

رجال الوطن يؤدون واجبهم في الميدان، وواجبنا ألا نجعل هواتفنا عيوناً مجانية لكل من يبحث عن معلومة عن وطننا.

السعودية قوية بقيادتها ومؤسساتها ورجالها، وقوتها كذلك في مجتمع واعٍ يعرف أن الوطنية ليست كلمة تقال وقت الأحداث، وإنما مسؤولية تمارس.

فلا تجعل رغبتك في السبق تسبق مصلحة وطنك، ولا تجعل بحثك عن المشاهدات يحوّلك دون قصد إلى مصدر معلومات لمن يتربص به.

أمن السعودية خط أحمر.. ووعينا جزء من حمايته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى