
الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– مع بداية كل عام دراسي، تتكرر المشاهد ذاتها؛ طلاب يدخلون المدارس، معلمون يستعدون للحصص، إدارات تضع خططها، واجتماعات تبحث في البرامج والأنشطة والانضباط والنتائج.
لكن وسط كل هذه التفاصيل، يظل سؤال أهم من كل الأسئلة:
ماذا سيبقى في ذاكرة الطالب من مدرسته بعد سنوات؟
هل سيتذكر عدد الحصص التي حضرها؟
أم أسماء التعاميم التي قرأتها الإدارة؟
أم سيتذكر معلمًا آمن به، وقائدًا عرف اسمه، ومدرسة شعر فيها أنه مهم وله قيمة؟
هنا تحديدًا يظهر الفرق بين مدرسة تؤدي وظيفتها، ومدرسة تترك أثرًا.
فالمدرسة ليست مبنى وفصولًا ومناهج فقط، وليست مكانًا يأتي إليه الطالب صباحًا ليغادره بعد انتهاء الحصص؛ إنها بيئة لبناء الإنسان، وصناعة شخصيته، واكتشاف قدراته، ومنحه الشعور بالأمان والانتماء.
والقائد المدرسي الحقيقي هو الذي يدرك هذه الحقيقة.
لا يقاس نجاحه بعدد الاجتماعات التي عقدها، ولا بعدد التعاميم التي أصدرها، ولا بمدى انشغاله خلف مكتبه، وإنما بما صنعه في نفوس طلابه ومعلميه، وبالثقافة التي تركها في مدرسته.
وأتذكر هنا زملاء أعتز بتجربتهم معهما، وأرى في ممارستهم نموذجًا لما ينبغي أن تكون عليه القيادة المدرسية.
كان الأستاذ ناصر بن سعد المتيف مديرًا للقسم الابتدائي في أحد المجمعات التعليمية التي تشرفت بالإشراف عليها. كان عدد طلاب القسم يتجاوز 800 طالب، ومع ذلك كان يعرف طلابه بأسمائهم.
قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنني أراه من أعمق الممارسات التربوية.
أن يعرف القائد اسم الطالب، وأن يناديه به، وأن يعرف شيئًا عن شخصيته ومستواه واحتياجاته، يعني أن الطالب ليس رقمًا في سجل الحضور والانصراف، وإنما إنسان تراه المدرسة وتهتم به.
وفي القسم الثانوي، كان الأستاذ يحيى العلوي، وفي القسم المتوسط كان وكيل القسم الأستاذ عامر عسيري نموذجًان آخران للقائد التربوي القريب من طلابهما، الذين لا يرون مهمتهما محصورة في الإجراءات والأنظمة، وإنما يؤمنان بأن بناء العلاقة مع الطالب جزء أصيل من العمل التربوي.
وهذه التجارب تؤكد أن التفاصيل الصغيرة في المدرسة قد تكون أكبر مما نعتقد.
ابتسامة قائد، تحية صباحية، معرفة اسم طالب، سؤال عن غيابه، كلمة تشجيع، أو موقف تقدير؛ كلها أشياء قد تبدو عابرة في يوم مزدحم، لكنها قد تبقى في ذاكرة الطالب سنوات طويلة.
فالطالب الذي يشعر بأن مدرسته تحترمه، سيتعلم احترامها. والذي يشعر بأن معلميه وقائده يثقون به، غالبًا ما يسعى لأن يكون جديرًا بهذه الثقة.
ومن هنا، فإن بناء المدرسة لا يبدأ من اللوائح فقط، بل من بناء الإنسان.
والقائد المؤثر لا يعمل وحده؛ فهو يصنع ثقافة تنتقل إلى المعلمين والإداريين والمرشدين وكل من يعمل في المدرسة.
ثقافة تؤمن بأن الكلمة الطيبة ليست مجاملة، وأن التشجيع ليس ترفًا، وأن الاحتواء ليس تساهلًا، وأن اكتشاف نقاط القوة في الطالب أهم أحيانًا من الوقوف طويلًا عند أخطائه.
فالمدرسة العظيمة لا تنتظر الطالب المتميز حتى تحتفي به، بل تبحث عن التميز في الطالب العادي، وتفتش عن الموهبة التي ربما لم تجد من يكتشفها بعد.
وفي كل مدرسة أبطال ينتظرون من يراهم.
لكن المدرسة التي تترك أثرًا تحتاج أيضًا إلى أن تكون مدرسة فيها حياة؛ برامج، ومبادرات، ومسابقات، ولقاءات، وتجارب تعلم، ومواقف إنسانية تجعل الطالب يشعر بأن المدرسة ليست مكانًا ينتظر فيه نهاية اليوم.
نريد مدرسة يأتي إليها الطالب وهو يشعر بالفرح، لا مدرسة يقضي ساعاتها وهو يعد الدقائق حتى لحظة الانصراف.
ومع ذلك، فإن المدرسة المحببة ليست مدرسة بلا نظام.
الحب لا يعني التساهل، والحكمة لا تعني الضعف، والمتعة لا تعني الفوضى.
فالانضباط هو الإطار الذي يحمي العملية التعليمية، والقواعد الواضحة والعادلة تساعد الطالب على فهم قيمة الوقت، واحترام المعلم، والمحافظة على ممتلكات المدرسة، والتعامل المسؤول مع زملائه.
والانضباط حين يقدم للطالب باعتباره قيمة، لا عقوبة، يصبح جزءًا من بناء شخصيته.
أما داخل الفصل، فعلينا أن نعيد النظر في مفهوم التعلم.
لم يعد كافيًا أن يتحدث المعلم طوال الحصة ويستمع الطالب.
التعلم الحقيقي يحدث عندما يسأل الطالب، ويناقش، ويفكر، ويجرب، ويخطئ، ويصحح خطأه، ويتعلم مع زملائه.
ولهذا فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يشغل قائد المدرسة ليس:
هل شرح المعلم الدرس؟
بل:
هل تعلم الطلاب؟
وهذا الفرق البسيط في السؤال قد يغيّر الكثير في المدرسة.
فالتقويم لا ينبغي أن يكون محطة نهائية نكتشف فيها أن الطالب لم يتعلم، بل ممارسة مستمرة داخل الحصة؛ نسأل ونلاحظ ونناقش ونقدم التغذية الراجعة ونعالج التعثر في وقته.
ثم تأتي الأسرة، وهي شريك لا يمكن أن تنجح المدرسة بعيدًا عنه.
ليس من المنطقي أن يكون ولي الأمر حاضرًا في حياة المدرسة فقط عندما تقع مشكلة، أو عندما يحتاج ابنه إلى استدعاء، أو عندما تكون هناك إجراءات ورسوم.
المدرسة الناجحة تجعل ولي الأمر شريكًا في النجاح؛ تستمع إلى رأيه، وتطلعه على إنجازات ابنه، وتشاركه البرامج، وتحترم وقته، وتسهل إجراءاته، وتمنحه تجربة راقية في التواصل والخدمات.
فجودة المدرسة لا تبدأ من داخل الفصل وتنتهي عند بوابة الانصراف؛ بل تبدأ من أول اتصال بين الأسرة والمدرسة، وتستمر في كل تجربة يمر بها الطالب وولي أمره.
وفي المدرسة الحكومية، قد لا يكون أمام ولي الأمر خيار البحث عن مدرسة أخرى، لكن المدرسة تستطيع أن تمنحه شعورًا يجعله يقول:
هذه مدرسة حكومية مختلفة.
وفي المدرسة الأهلية، قد تنفق المدرسة الكثير على التسويق والإعلانات، لكن أجمل إعلان لها يبقى طالبًا سعيدًا، وولي أمر راضيًا، ومعلمًا يشعر أنه يعمل في بيئة تقدره وتحترمه.
فالجاذبية الحقيقية للمدرسة تبدأ من داخلها قبل أن تبحث عنها في الخارج.
ولهذا، لا أعتقد أن أفضل سؤال نبدأ به العام الدراسي هو:
ماذا سننفذ هذا العام؟
بل السؤال الأعمق:
أي مدرسة نريد أن نصنع؟ وأي إنسان نريد أن يخرج من أبوابها؟
إذا عرفنا الإجابة، أصبحت البرامج وسيلة، والأنشطة مجالًا، والتقنية أداة، والانضباط إطارًا، والتعليم جوهرًا، والقيم بوصلة.
أما القائد المدرسي الحقيقي، فهو لا يدير يومًا دراسيًا فقط.
إنه يبني ثقافة، ويغرس قيمة، ويصنع علاقة، ويقود تعلمًا، ويكتشف موهبة، ويمنح الأمان، ويصنع في حياة طلابه ذكريات قد تبقى معهم عشرات السنين.
وربما لا يتذكر الطالب بعد عشرين عامًا اسم الكتاب الذي درسه، أو تفاصيل درس نسيها مع مرور الزمن، لكنه قد يتذكر معلمًا قال له ذات يوم: أنت تستطيع.
وقد يتذكر قائدًا ناداه باسمه وسط مئات الطلاب، فشعر للمرة الأولى أنه ليس رقمًا.
وقد يتذكر مدرسة جعلته يؤمن بنفسه.
وهنا يكون الأثر الحقيقي.
فالمدارس المتشابهة كثيرة، لكن المدرسة التي يقودها صاحب رسالة وروح وحكمة لا تشبه غيرها.
وفي بداية عام دراسي جديد، أتمنى أن يكون طموحنا أكبر من إنجاز خطة أو تحقيق نتيجة؛ أن يكون طموحنا أن نبني مدارس لا تُنسى، لأنها صنعت في حياة طلابها شيئًا يستحق أن يبقى.
فالنجاح الحقيقي للمدرسة ليس فقط في عدد الطلاب الذين تخرجوا منها، بل في الإنسان الذي أصبحوا عليه بعد أن غادروا أبوابها.
وفق الله قادة مدارسنا ومعلمينا في عام دراسي جديد، يكون فيه الطالب غاية، والتعلم جوهرًا، والقيم بوصلة، والانضباط حماية، والحب والحكمة طريقًا، والأثر هو المقياس الحقيقي للنجاح.






