مقالات وشعر

وراء كل تغيّر… حكاية لا نعرفها

 

بقلم الدكتورة/ اشواق النعيم

وأنا أرتشف كوبًا من الشاي في صباحٍ مفعمٍ بالتفاؤل، نظرت من النافذة المطلة على طريقٍ يعجّ بضجيج السيارات وحركة المارة.

لفت انتباهي رجلٌ يخرج من المنزل المقابل لبيتي. كنت أراه كل يومٍ نشيطًا، مفعمًا بالحيوية، تسبق ابتسامته خطواته.

لم تكن بيننا سوى تحيةٍ عابرة، لكنني كنت ألحظ تلك الحيوية التي تشعّ منه، وكأنها تقول لكل من حوله: ما زال في الحياة متسعٌ للأمل.

ثم اختفى فترةً من الزمن، ولم أكن أعلم ما الذي أصابه، إلا أن غيابه أثار في داخلي شيئًا من القلق.

وفي ذلك اليوم، خرج من منزله، لكنه لم يكن الرجل الذي اعتدت رؤيته.

كان مختلفًا تمامًا…

خطواته ثقيلة، ونظراته شاردة، وملامحه ذابلة، وكأن شيئًا ما أثقل قلبه، وأطفأ وهج تلك الابتسامة التي كانت تلازمه.

وقفت أتأمله، وسألت نفسي:

لماذا تغيّر؟

فجاءتني الإجابة بهدوء:

لا تسأل الإنسان: لماذا تغيّرت؟

نحن نلاحظ التغيّر بسهولة، ونحكم عليه بسرعة:

«فلان لم يعد كما كان».

«كانت تحب الحديث معنا، وأصبحت صامتة».

«كان اجتماعيًا، وأصبح يفضّل الوحدة».

لكننا نادرًا ما نتوقف عند السؤال الأهم:

ماذا حدث له؟

هذه هي المسافة بين الحكم والفهم.

فنحن نرى السلوك، لكننا لا نرى القصة التي صنعت هذا السلوك.

نرى الصمت، ولا نرى الكلمات التي قيلت لصاحبه حتى قرر أن يصمت.

نرى العزلة، ولا نرى الخذلان الذي جعله يختار الابتعاد.

نرى الحذر، ولا نرى الثقة التي منحها ذات يوم، ثم دفع ثمنها غاليًا.

نرى تغير الإنسان، لكننا لا نرى دائمًا المعركة التي خاضها في الخفاء.

فالناس لا يتغيّرون دائمًا لأنهم أرادوا ذلك.

أحيانًا تغيّرهم الخيبات.

وأحيانًا يغيّرهم الخذلان.

وأحيانًا تُرهقهم سنواتٌ طويلة من العطاء، حين يمنحون الآخرين أكثر مما يستطيعون، ولا يجدون في المقابل من يسأل عنهم أو يربّت على قلوبهم.

قد يتحول الإنسان من كثير الكلام إلى الصمت، ليس لأنه أصبح متكبرًا، وإنما لأنه اكتشف أن بعض الكلام لا يجد آذانًا تُصغي إليه.

وقد يصبح حذرًا بعد أن كان عفويًا؛ لأن ثقته السابقة كلّفته كثيرًا.

وقد يختار العزلة بعد أن كان محبًا للاجتماع؛ لأنه تعب من شرح نفسه لمن لا يريد أن يفهمه.

وقد تبهت ابتسامته، لا لأنه فقد حبه للحياة، وإنما لأن قلبه حمل ما يفوق قدرته على إظهاره.

أدب ما وراء السلوك

ربما نحتاج في تعاملنا مع الآخرين إلى نوعٍ جديد من الوعي:

إن نتعلم كيف نرى ما وراء السلوك.

فليس كل صامتٍ غاضبًا.

وليس كل مبتعدٍ متكبرًا.

وليس كل متغيّرٍ جاحدًا.

وليس كل من يرفض الحديث بخيرٍ دائمًا.

قد يكون خلف الصمت وجع.

وخلف الابتعاد خوف.

وخلف القسوة تعب.

وخلف الهدوء معركة لا يعلم بها أحد.

ولهذا، عندما تلاحظ أن شخصًا قد تغيّر، لا تبدأ بالحكم عليه؛ بل ابدأ بمحاولة فهمه.

اقترب منه.

اسأله بلطف:

«ماذا حدث؟»

ثم امنحه شيئًا نفتقده كثيرًا في هذا الزمن:

الإنصات.

فربما لا يحتاج إلى من يُصلحه.

وربما لا يريد نصيحةً ولا محاضرةً ولا حلولًا.

ربما يحتاج فقط إلى إنسانٍ صادق، يجلس بجواره، ويمنحه شيئًا من الأمان، ويقول له:

«أنا أفهمك… وأنا هنا من أجلك.»

وقد يكون أعظم ما تقدمه لإنسانٍ متعب ألا تطلب منه أن يعود كما كان، بل أن تمنحه الأمان ليكون كما يستطيع أن يكون الآن.

فلا تجعل صورتك القديمة عن شخصٍ ما تمنعك من فهم صورته الجديدة.

فالإنسان يتغير، والحياة تغيّرنا، والتجارب تترك آثارها في أرواحنا.

والنضج ليس أن نعرف لماذا تغيّر الناس فقط، بل أن نتعلم ألا نحاكمهم قبل أن نعرف ما مرّوا به.

رسالة إلى كل قلب

ربما هناك شخصٌ تعرفه وتقول:

«لقد تغيّر كثيرًا».

وربما هو نفسه يتمنى لو استطاع أن يعود كما كان.

لكن شيئًا ما حدث في الطريق…

خذلٌ لم يخبرك به.

دمعةٌ أخفاها.

موقفٌ كسر شيئًا داخله.

أو سنواتٌ من الصبر جعلته شخصًا آخر.

لذلك، قبل أن تقول:

«لقد تغيّر»…

اسأل نفسك:

«ماذا اضطرّه إلى أن يتغيّر؟»

وقبل أن تحكم على صمته، حاول أن تسمع ما لم يستطع قوله.

وقبل أن تفسّر ابتعاده على أنه جفاء، تذكّر أن بعض الناس يبتعدون لأنهم لم يعودوا قادرين على الاحتمال.

وقبل أن تطلب منه أن يعود كما كان، اسأله:

«كيف يمكنني أن أكون إلى جانبك الآن؟»

فربما تكون كلمةٌ منك سببًا في أن يستعيد إنسانٌ شيئًا من نفسه.

وربما يكون احتواؤك له بدايةً لعودة ابتسامته.

وربما لا تحتاج إلى أن تفعل شيئًا كبيرًا…

يكفي أن تكون إنسانًا.

وفي النهاية…

لا نعرف القصة كاملة لأحد.

نرى الوجوه، ولا نرى ما تخفيه القلوب.

نسمع الكلمات، ولا نسمع دائمًا ما خلفها.

نرى التغيّر، ولا نعرف دائمًا سببه.

لذلك، لنكن أكثر رحمةً في أحكامنا، وأكثر لطفًا في أسئلتنا، وأكثر إنسانيةً في تعاملنا.

فالعالم لا يحتاج دائمًا إلى مزيدٍ من الأشخاص الذين يحاكمون الآخرين…

بل يحتاج إلى أشخاصٍ يفهمون، ويحتوون، ويجبرون الخاطر.

وتذكّر دائمًا:

نحن نرى سلوك الإنسان، لكننا لا نرى القصة التي صنعت هذا السلوك.

فلا تحكم على الصفحة التي أمامك، وأنت لا تعرف الفصول التي سبقتها.

فالإنسان لا يتغيّر من فراغ…

وخلف كل تغيّرٍ حكاية لا نعرفها.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى قريبًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى