مقالات وشعر

من الرياض إلى باريس.. حين تتحدث السعودية بلغة المستقبل

بقلم: د. رشيد بن عبدالعزيز الحمد

ليست كل الزيارات الرسمية تُقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقّع، ولا بحجم الاستثمارات التي تُعلن، ولا بعدد الصور التي تجمع القادة حول طاولة واحدة.

بعض الزيارات تحمل في تفاصيلها رسالة أكبر من البروتوكول، وتكشف عن اتجاه دولة وهي تعيد تعريف موقعها في العالم.

وهكذا بدت زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا.

ففي باريس لم يكن المشهد مجرد لقاء بين الرياض وباريس، بل كان لقاءً بين رؤيتين للمستقبل، تتقاطعان في الاقتصاد والتقنية والثقافة والطاقة والذكاء الاصطناعي، وتفتحان أبواباً جديدة لشراكة تتجاوز الشكل التقليدي للعلاقات الدولية.

وقد شهدت الزيارة انعقاد الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، إلى جانب توقيع عدد كبير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات متعددة، من بينها الدفاع والصحة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة والترفيه والاستثمار والنقل والطاقة. كما أكدت فرنسا والسعودية رغبتهما في تعميق التعاون في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتقنيات المستقبلية. (elysee.fr⁠)

لكنني توقفت طويلاً أمام مشهد آخر ربما لا يأخذ حقه من القراءة الإعلامية.

ولي العهد في باريس، وفي حضوره كأس العالم للرياضات الإلكترونية.

قد يرى البعض أن الأمر مجرد حضور لفعالية رياضية حديثة، لكنني أراه أبعد من ذلك بكثير.

فحين يجلس قائد دولة بحجم المملكة العربية السعودية في حدث عالمي للرياضات الإلكترونية، فإن الرسالة ليست للشباب الذين يتابعون المنافسات فقط؛ بل هي رسالة إلى العالم تقول:

إن المجالات التي كانت تُعد بالأمس ترفيهاً، أصبحت اليوم اقتصاداً وتقنيةً وثقافةً وصناعةً وفرصاً للمستقبل.

واللافت أن هذه البطولة أقيمت في باريس في نسختها الثالثة، وقد أشاد البيان السعودي الفرنسي المشترك بنجاحها، مؤكداً رغبة البلدين في تعزيز التعاون في الثقافة والشباب والرياضة وتطوير برامج مشتركة بينهما. (elysee.fr⁠)

وهنا تكمن الفكرة التي تستحق أن نتوقف عندها.

السعودية لم تعد تنتظر أن يأتي المستقبل إليها؛ بل أصبحت تذهب إليه.

تذهب إليه بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والتقنيات الناشئة، والصناعة، والطاقة، والنقل، والصحة، والسياحة، والترفيه، والرياضة.

وتذهب إليه أيضاً من بوابة الشباب.

وهذا ربما أحد أهم مفاتيح رؤية المملكة 2030؛ أن الشباب ليسوا جمهور المستقبل فقط، بل شركاء في صناعته.

فالرياضات الإلكترونية، على سبيل المثال، لم تعد مجرد ألعاب يمارسها الشباب خلف الشاشات. لقد تحولت إلى صناعة عالمية تتقاطع فيها التقنية والإعلام والاستثمار والمهارات والتسويق والذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى.

ومن هنا يمكن فهم أهمية أن تلتقي السياسة والاقتصاد والرياضة والتقنية في مشهد واحد.

إنها السعودية الجديدة وهي تتحدث بلغات متعددة في وقت واحد.

لغة السياسة عندما تناقش قضايا المنطقة والأمن والاستقرار.

ولغة الاقتصاد عندما تفتح أبواب الاستثمار والشراكات.

ولغة التقنية عندما تتحدث عن الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية.

ولغة الثقافة عندما تمدد شراكتها مع فرنسا في العلا والتراث.

ولغة الشباب عندما تحتفي بالرياضات الإلكترونية.

وهذه ليست مسارات متفرقة كما قد تبدو للوهلة الأولى؛ إنها أجزاء من مشروع واحد عنوانه: صناعة المستقبل.

ولعل من أجمل ما في الشراكة السعودية الفرنسية أنها لم تعد محصورة في النفط أو السلاح أو العلاقات السياسية التقليدية. فالبيان المشترك أشار إلى مجالات واسعة تشمل الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والصحة والثقافة والسياحة والذكاء الاصطناعي، كما تم تمديد الشراكة السعودية الفرنسية في العلا حتى عام 2035. (elysee.fr⁠)

حتى الاستثمار السعودي في قطاع الترفيه الفرنسي يحمل دلالة مختلفة؛ فقد أُعلن عن مشروع ضخم لإنشاء وجهة ترفيهية قرب باريس باستثمارات سعودية كبيرة، بما يعكس اتساع مفهوم الاستثمار السعودي من القطاعات التقليدية إلى الصناعات الإبداعية والترفيهية. (Reuters⁠)

وهنا أعود إلى المشهد الذي بدأت منه.

لماذا كان حضور ولي العهد لكأس العالم للرياضات الإلكترونية مهماً؟

لأن الرسالة الأعمق ليست في البطولة نفسها، وإنما في الاعتراف بقيمة المجال الذي ينتمي إليه ملايين الشباب حول العالم.

إنها رسالة تقول إن الجيل الذي نشأ مع التقنية، والألعاب، والمنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، لا ينبغي أن يكون مستهلكاً فقط؛ بل يجب أن يكون مبتكراً ومستثمراً وصانع محتوى ومبرمجاً ورائد أعمال وبطلاً عالمياً.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام مؤسساتنا التعليمية.

فإذا كان العالم يتغير بهذه السرعة، فإن المدرسة والجامعة لا تستطيعان أن تظلا تخرجان الطالب بالمهارات نفسها التي كانت مطلوبة قبل عقدين.

نحن بحاجة إلى تعليم يكتشف الموهبة مبكراً، ويمنح الطالب مساحة للإبداع، ويربط التعليم بسوق العمل، ويجعل التقنية وسيلة للإنتاج لا مجرد أداة للاستهلاك.

وهنا أرى أن المشهد الباريسي يحمل رسالة تربوية أيضاً.

فالاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من الإنسان.

وإذا كانت الاتفاقيات السعودية الفرنسية تفتح أبواباً في الذكاء الاصطناعي والصناعة والطاقة والصحة والتقنية، فإن مسؤوليتنا التعليمية أن نُعد الإنسان السعودي القادر على الدخول من هذه الأبواب.

وهذه في تقديري هي المعادلة الأهم:

مشروعات عظيمة + إنسان مؤهل = مستقبل أكثر قوة واستدامة.

لقد كانت باريس هذه المرة أكثر من محطة دبلوماسية.

كانت نافذة رأينا من خلالها المملكة وهي تتحرك بثقة في عالم جديد؛ عالم لم تعد فيه القوة تقاس فقط بما نملك من موارد، بل بما ننتجه من معرفة، وما نصنعه من تقنية، وما نمنحه لشبابنا من فرص.

ومن الرياض إلى باريس، تتغير الصورة.

لم تعد المملكة حاضرة في العالم كدولة تملك موارد ضخمة فحسب، بل كدولة تريد أن تكون شريكاً في تشكيل اقتصاد المستقبل وثقافة المستقبل ورياضة المستقبل وتعليم المستقبل.

وهنا، ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من هذه الزيارة:

المستقبل لا يُشاهَد من المدرجات… المستقبل يُصنع داخل الملعب.

والسعودية اليوم لا تكتفي بمشاهدة سباق المستقبل.

إنها تدخل السباق بثقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى