مقالات وشعر

المعلومة الميدانية.. أساس القرار التنموي

كتبه: خالد بن محمد الفريجي

في زمن أصبحت فيه البيانات والمعلومات أحد أهم مصادر القوة وصناعة القرار، لم يعد من المقبول أن تُبنى الخطط والمشروعات التنموية على الانطباعات أو التوقعات أو المعلومات غير الموثقة. فقبل أن نقرر أين نستثمر، وما المشروع الذي نحتاجه، ومن الفئة التي تستحق الدعم، يجب أن نعرف أولاً: ماذا يقول الميدان؟

وهنا تأتي أهمية البحوث والدراسات الميدانية، التي تمثل حلقة أساسية بين الواقع وصانع القرار.

فالدراسة الميدانية ليست مجرد استبيان يوزع أو أسئلة تطرح على أفراد المجتمع، وإنما وسيلة علمية للوصول إلى حقيقة الاحتياجات والمشكلات والفرص، وتحويل ما يحدث على أرض الواقع إلى معلومات يمكن تحليلها والاستفادة منها في التخطيط وصناعة القرار.

الميدان أكثر صدقاً من التوقعات وقد تجلس جهة ما خلف المكاتب وتضع تصوراً لمشكلة معينة، وقد تبدو الصورة واضحة من خلال بعض التقارير والإحصاءات، لكن النزول إلى الميدان يكشف أحياناً حقائق مختلفة تماماً.

فالمستفيد يعرف مشكلته، والمزارع يعرف تحدياته، والأسرة تعرف احتياجاتها، وصاحب المنشأة يعرف التحديات التي تواجه نشاطه. ولذلك فإن الاستماع إلى هؤلاء يمثل مصدراً مهماً لصناعة القرار الصحيح.

وكلما كانت المعلومات التي يقدمها المجتمع دقيقة وصادقة، كانت الدراسة أكثر قدرة على الوصول إلى نتائج واقعية.

هل تعلم عزيزي القارئ ماذا يحدث عندما تكون المعلومة غير دقيقة؟

هنا تكمن واحدة من أخطر الإشكالات التي قد تواجه الدراسات الميدانية.

فالمعلومة غير الدقيقة لا تبقى مجرد إجابة خاطئة في استبيان، وإنما قد تتحول إلى رقم في تقرير، ثم إلى نتيجة في دراسة، ثم إلى توصية، ثم إلى قرار أو مشروع أو برنامج تنموي.

وبالتالي فإن المعلومة الخطأ قد تنتج قراراً خطئاً، والقرار الخطأ قد يؤدي إلى هدر الموارد والوقت والجهد.

وهنا قد يتم إنشاء مشروع لا يلبي الاحتياجات الحقيقيه، أو توجيه الدعم إلى فئات ليست الأكثر احتياجاً، أو تقدير حجم مشكلة بصورة غير صحيحة، أو إغفال مشكلة حقيقية بسبب ضعف المشاركة أو عدم دقة المعلومات.

وعدم التعاون له ثمن كما أن تقديم معلومات غير دقيقة يمثل مشكلة، فإن عدم التعاون مع الباحثين يمثل تحدياً آخر.

فعندما يرفض البعض المشاركة في الدراسات، أو يتعامل مع الاستبيانات والمقابلات باعتبارها أمراً غير مهم، فإن ذلك يقلل من قدرة الباحث على الوصول إلى صورة متكاملة عن الواقع.

وقد يضطر الباحث إلى الاعتماد على عدد محدود من المشاركين، فتكون النتائج أقل تمثيلاً للمجتمع، وبالتالي تقل جودة القرارات التي يمكن أن تبنى عليها.

ومن هنا يجب أن نعيد النظر في مفهوم المشاركة في الدراسات الميدانيةىفالمشاركة ليست خدمة للباحث، وليست مجاملة للجهة التي تجري الدراسة، وإنما هي مساهمة مجتمعية مباشرة في تحسين الخدمات وصناعة المستقبل فالمسؤولية حتماً لا تقع على الباحث وحده

ويجدر بنا ان نلفت النظر الى أن القطاع غير الربحي بحاجة إلى الدراسات أكثر من أي وقت ففي القطاع غير الربحي تحديداً، أصبحت الدراسات الميدانية ضرورة وليست خياراًفالجمعيات التي تريد تنفيذ مشاريع ناجحه لا يكفي أن تقول إن المجتمع يحتاج إليها، بل من الأفضل أن تمتلك بيانات تثبت حجم الاحتياج، وتحدد الفئات المستهدفة، وتوضح أسباب المشكلة، وتقيس أثر البرامج القائمة وهذا بالتأكيد س يرفع من جودة التخطيط الاستراتيجي، ويعزز فرص الحصول على التمويل المستهدف، ويساعد الجهات المانحة على اتخاذ قرارات أكثر دقة، ويجعل الجمعيات قادرة على إثبات أثرها الحقيقي في المجتمع.

القيمة الحقيقية للبحث الميداني تظهرعندما تتحول نتائجه من الدراسة إلى قرارات ومشروعات قابلة للتنفيذ فالعملية تبدأ من المعلومة، ثم تأتي الدراسة والتحليل، ثم تحديد الأولويات، ثم صناعة القرار، وبعد ذلك التنفيذ وقياس الأثروأي خلل في بداية هذه السلسلة قد ينعكس على المراحل التي تليهاولهذا فإن جودة القرار تبدأ من جودة المعلومة.

نحن شركاء في صناعة المعلومة وكل مواطن او مقيم شركاء في ذلك .

هناك اعتقاد سائد عند البعض أن دورهم انتهى عند الإجابة عن استبيان أو إجراء مقابلة، لكنه في الحقيقة يشارك في صناعة صورة قد تعتمد عليها جهة ما في اتخاذ قرار يخص مجتمعه ولهذا فإن الإجابة الصادقة والدقيقة ليست مجرد تعاون مع الباحث، وإنما مسؤولية اجتماعية.

وهنا لابد من التأكيد على ان منظمات المجتمع المدني بمختلف ادواره واختصاصات وكذلك الجهات البحثية مطالبة بتعزيز الوعي بأهمية الدراسات الميدانية، وتوضيح أهدافها، وإشراك المجتمع في مراحلها، وإظهار النتائج التي يمكن مشاركتها؛ حتى يشعر المواطن بأن مشاركته لم تذهب سدى ويشعر بالتقدير لمشاركته في تلك الدراسات والنتائج التي تمخضت عنها ..

إن المجتمعات التي تريد تنمية حقيقية لا تستطيع أن تخطط للمستقبل وهي لا تعرف واقعها بدقة فالمشروعات الناجحة تبدأ من معلومة صحيحة، وقرار رشيد يبدأن من دراسة موضوعية، والتنمية المستدامة تبدأ من فهم حقيقي لاحتياجات المجتمع وفي المقابل، فإن عدم التعاون أو تقديم معلومات غير دقيقة قد لا تظهر آثاره في لحظته، لكنه قد يظهر لاحقاً في صورة مشروع غير مناسب، أو خدمة لا تلبي الاحتياج، أو موارد لم تستثمر في المكان الصحيح.

لذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي:

(كن صادقاً عندما يُطلب رأيك، وتعاون عندما تُجرى دراسة ميدانية، فمعلومتك قد تكون جزءاً من قرار يغير حياة الآخرين.) فالميدان هو المكان الذي تبدأ منه الحقيقة، والمعلومة هي الأساس الذي يبنى عليه القرار، وكلما اقترب القرار من الحقيقة، اقتربت التنمية من الإنسان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى