دكتور – غالب محمد طه
في إحدى حدائق حفر الباطن، التقيت بعض الأصدقاء لنمارس رياضة المشي، بينما كان أبناؤنا يلعبون كرة القدم في أحد ملاعب الخماسيات القريبة. فرصة نمارس فيها الرياضة قليلًا، ونترك أبناءنا يلعبون، ونتحدث في الوقت نفسه.
بدأت أنا وصديقي مهند المشي، وبين خطواتنا دار حديث ماتع كعادتنا عن أشياء كثيرة، حتى حدثني عن ابنته لمي وعشقها للرسم. فلم أتردد لحظتها في أن أشير عليه بزيارة «وجبة فن». قلت له: «خذها إلى هناك».
ثم، وأنا أواصل الحديث، تذكرت أنني كنت قد تلقيت قبل يومين دعوة خاصة لحضور فعالية في المكان نفسه؛ «ملتقى الحرفة» الذي أقيم بالتعاون مع مؤسسة وجبة فن للفنون البصرية وبرعاية مؤسسة الأميرة العنود. كان من المفترض أن أكون هناك، لكن الظروف لم تسمح للأسف.
وتوقفت أيضًا عند صورة الدعوة. يد تشكل قطعة فخار على دولابها. صورة بسيطة، لكنها بقيت في الذاكرة. شخص يعمل بصبر، وقطعة تتشكل ببطء، ثم يأتي من يلتفت إليها، فيلتقط صورة أو يسجل مقطعًا قصيرًا، فتغادر الحكاية حدود المكان إلى أماكن أخرى لم تكن لتصل إليها وحدها.
ربما لأن الصورة ذكرتني بشيء نفقده أحيانًا ونحن نعيش وسط هذا الكم من المحتوى والصور والمقاطع: هناك أشخاص يعملون بهدوء، ويقضون سنوات في تعلم حرفة وإتقانها، بينما لا يعرف عنهم كثير من الناس شيئًا.
الحرفي منهمك في عمله، يطارد التفاصيل التي تعلّمها عبر السنين، ويضع روحه في كل حركة من يديه. لا يشغل باله بمن سيشاهد ما يصنعه أو أين ستصل قصته؛ فكل ما يهمه هو أن تخرج القطعة كما يجب. لكن الزمن تغيّر، وصارت الحكاية جزءًا من وصول الأشياء إلى الناس. كثير من الجمال يمرّ حولنا دون أن نراه، لا لأنه خفيّ، بل لأن أحدًا لم يتوقف عنده ليمنحه لحظة انتباه.
لهذا استوقفتني فكرة «ملتقى الحرفة». أن يجتمع الحرفيون والحرفيات، يتبادلون تجاربهم، ويعرضون أعمالهم، وتجد الحرفة مساحة أوسع للظهور، وتنتقل المعرفة التي يحملها أصحابها إلى جيل آخر.
كنت قد زرت المكان من قبل، وخرجت يومها بانطباع يصعب اختصاره في جمال المكان أو أناقته، رغم أنه جميل فعلًا ويسترعي الانتباه منذ اللحظة الأولى. ما شدني أكثر كان إحساسي بأن وراء هذا المكان فكرة، وأن وراء الفكرة مشروعًا، وأن هناك قصة لم تُروَ كاملة بعد. ولذلك أعتقد أن تعاون مؤسسة وجبة فن للفنون البصرية مع مؤسسة الأميرة العنود في هذا الملتقى مهم. لأن مثل هذه المبادرات تفتح مساحة للحرفيين، وتساعد أعمالهم على الوصول إلى أشخاص ربما لم يكونوا سيعرفون عنها لولاها.
ومن هنا أخذني التفكير إلى حفر الباطن نفسها.
كم حكاية نمر بجوارها كل يوم ولا نعرف عنها شيئًا؟ قد تكون عند حرفي يعمل منذ سنوات، أو فنانة تجلس طويلًا أمام لوحتها، أو صاحب مشروع صغير بدأ بفكرة بسيطة وظل يطورها بعيدًا عن الأضواء. هذه الأشياء موجودة حولنا. نحن فقط لا ننتبه إليها دائمًا.
ولفتني أيضًا خبر استضافة «وجبة فن» لوفد نادي سانكشوري، نادي سيدات الأعمال والمهن بدولة الكويت. أسعدني أن يأتي أناس من خارج حفر الباطن إلى هذا المكان، وأن تكون المدينة محطة للقاء فني وثقافي عابر للحدود. وتخيلت أن هؤلاء سيعودون إلى الكويت بشيء من حفر الباطن؛ إلى الكويت بقلبها الحقيقي: مدينة تنبض وتتنفس، تملك الحياء والحياة.
وأنا لم أحضر تلك الأمسية، لكنني وجدت نفسي أفكر في حفر الباطن أكثر مما أفكر في الملتقى نفسه. وهذا ما تفعله بعض المبادرات الجيدة. المبادرات تصنع الحدث، والحدث يحرك العقل والخيال.
دعوة لم أتمكن من تلبيتها جعلتني أفكر في الحرفة، ثم في الفن، ثم في المدينة التي أعيش فيها، وفي أناس كثيرين لديهم ما يستحق أن يُرى ويُعرف.
ولهذا أتمنى أن تستمر مثل هذه اللقاءات، وأن يجد أصحاب الحرف من يتحدث معهم عن أعمالهم وتجاربهم، وأن يقترب منهم صناع المحتوى أكثر. ليس فقط لتصوير ما يصنعونه، وإنما لمعرفة قصصهم أيضًا. فالصورة أحيانًا لا تكون نهاية الحكاية. قد تكون بدايتها.
وحفر الباطن، في رأيي، لديها الكثير مما يستحق أن يُروى. نحن الذين اخترنا العيش فيها نعرف ذلك جيدًا. نرى تفاصيلها كل يوم، ونعرف أشخاصها، ونمر على أماكنها، وربما لهذا لا ننتبه أحيانًا إلى الأشياء التي قد يراها القادم من خارجها لأول مرة.
ثم عدت بذاكرتي إلى ذلك المساء في الحديقة، وإلى حديثي مع مهند عن ابنته لمي وحبها للرسم. لم أكن أعرف أن جملة بسيطة مثل «خذها إلى وجبة فن» ستقودني إلى كل هذه الأفكار. والآن أفكر في الأمر بطريقة مختلفة. ربما لا تحتاج حفر الباطن إلى من يخترع لها حكاية. ربما تحتاج فقط إلى أن ننتبه أكثر إلى الحكايات الموجودة فيها أصلًا، وأن نمنحها فرصة لكي تصل إلى الآخرين.
وأنت يا مهند، يا صاحبي.. هل تسمعني؟






