مقالات وشعر

من يسرق مواهبنا؟

 

الدكتور : رشيد بن عبدالعزيز الحمد

– مع كل مشاركة للمنتخب السعودي في بطولة كبرى، تتجدد موجة النقد، ويبدأ البحث عن المتهم؛ مرةً المدرب، ومرةً الاتحاد، ومرةً اللاعب. لكننا نغفل سؤالًا أكثر أهمية: هل المشكلة فعلًا في المنتخب الأول، أم في الرحلة التي تسبق وصول اللاعب إليه؟

من الظلم أن نقول إن المملكة تعاني من غياب المواهب. فالواقع يثبت عكس ذلك. فمن يتابع منتخباتنا السنية يجد أنها كثيرًا ما تنافس على بطولات الخليج والعرب وآسيا، وتحقق نتائج تؤكد أن اللاعب السعودي يمتلك الموهبة والقدرة على التفوق.

لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث لهذه المواهب بعد ذلك؟

لماذا يبرز اللاعب في مرحلة الناشئين أو الشباب، ثم يختفي أثره عندما يحين موعد الانتقال إلى المنتخب الأول؟ ولماذا لا نرى من كل جيل سوى عدد محدود جدًا يواصل مسيرته حتى يصبح نجمًا مؤثرًا؟

هنا تكمن القضية.

فالتحدي ليس في اكتشاف الموهبة، وإنما في المحافظة عليها، وتطويرها، ومتابعتها، ومنحها البيئة التي تساعدها على النمو عامًا بعد عام. فصناعة النجم ليست حدثًا عابرًا، بل مشروع طويل يبدأ مبكرًا ولا ينتهي إلا بوصول اللاعب إلى أعلى مستويات المنافسة.

ولعل من الإنصاف أيضًا أن نخفف من جلد الذات بعد كل إخفاق. فحتى المنتخبات الكبرى مرت بمراحل تراجع عندما انخفض إنتاجها من النجوم. إيطاليا وألمانيا والبرازيل ليست اليوم بالقوة التي عُرفت بها في أجيالها الذهبية، بينما حافظت فرنسا وإسبانيا والبرتغال على حضورها لأنها لم تعتمد على جيل واحد، بل أنشأت منظومات متكاملة تُخرج المواهب باستمرار، وترافقها حتى تصبح نجومًا في المنتخبات الأولى.

أما نحن، فلدينا مواهب تبشر بالخير، ولدينا دعم غير مسبوق للرياضة في ظل رؤية المملكة 2030، لكن الحلقة التي تحتاج إلى مزيد من العناية هي مرحلة ما بعد اكتشاف الموهبة؛ مرحلة المتابعة والتأهيل، ومنح اللاعب الشاب فرصًا حقيقية للنمو والمنافسة.

إن المنتخب الأول هو حصيلة عمل سنوات، وليس مشروعًا يبدأ قبل البطولة بأشهر. ولذلك فإن محاسبته وحده لن تعالج المشكلة، ما لم نراجع المنظومة التي تصنع اللاعب منذ خطواته الأولى وحتى ارتدائه شعار الوطن.

لنبحث عن أسباب اختفاء المواهب، لا عن شماعة جديدة لكل خسارة.

فالموهبة السعودية موجودة… لكنها تحتاج إلى من يرعاها حتى النهاية، لا إلى من يكتشفها ثم يتركها في منتصف الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى