مقالات وشعر

نحتاج للعقل..حتى لاننخدع بالضجيج!!

أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كَاتِبٌ سَعُودِيٌّ

في كل قضية تُطرح للنقاش، وفي كل موضوع يمسّ حياة الناس، تقف الآراء على طرفي نقيض: مؤيّد يرى الوجه المشرق، ومعارض يرى الجانب المظلم. وفي صف المعارضين ذاته، يظهر صنفان لا يلتقيان: ناقد يبني، وحاسد يهدم. وهنا تبرز مهارة غابت عن كثيرين في زمن السرعة والضجيج، وهي مهارة التمحيص والتحكّم في الانفعال.

قبل أن تتبنى رأياً عن شخص أو فكرة أو قضية، وقبل أن تصدر حكماً يلتصق بإنسان أو مشروع، توقّف لحظة واسأل نفسك: هل استمعت إلى الطرفين؟ هل بحثت عن الدليل؟ هل ميّزت بين من ينتقد ليُصلح، ومن يحسد فيتمنى الزوال؟.

فالناقد الحقي يوجّه سهامه إلى الفكرة لا إلى صاحبها، يأتيك بحجة وبرهان وبديل، وهمّه أن يرى الصواب ظاهراً حتى لو لم يكن هو قائله. أما الحاسد فسهامه مسمومة، يضخّم الخطأ ويتغافل عن الإحسان، وغايته أن يراك تسقط لا أن ترتقي.

وتعقّدت المسألة أكثر اليوم مع كثرت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومنصاتها، فصارت المعلومة الخاطئة، والمقطع المبتور، والعنوان المضلّل، تصل إلينا أسرع من الحقيقة نفسها. الخوارزميات لا تبحث عن الصدق، بل عن الأكثر تفاعلاً وإثارة، فتُصدّر تصيد الأخطاء والتشهير بالآخرين قبل التوضيح والإنصاف. وكم من سمعة شوهت، وكم من مشروع وُئد، وكم من بريء حُكم عليه بالتغييب الاجتماعي، لمجرد أننا سمعنا من طرف واحد وصدّقنا “الترند” دون تثبت.

صار كلّ واحد منا مذيعاً وقاضياً وناقدا في آن واحد، ينشر ويحكم على الآخرين بضغطة زر، ونسي أن الكلمة أمانة وأن الحكم مسؤولية. والقرآن الكريم سبقنا بهذا الميزان قبل أربعة عشر قرناً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}. والفاسق اليوم قد يكون حساباً مجهولاً، أو عنواناً براقاً، أو مقطع فيديو مقصوصاً بذكاء.

لذلك صار الوعي فرض عين لا كفاية. الوعي أن لا تكون إمعة يردّد، ولا ظلاً يتبع. الوعي أن تفهم أن التبيّن ضرورة، وأن الإنصاف شجاعة. كن فطنا اسمع للمؤيّد لتفهم وجهة نظره، واسمع للمعارض لتكشف الثغرات، ثم غربل الكلام، وخذ ما وافق الدليل والمنطق والمصلحة، وارمِ ما كان هوى أو تشهيراً.

تذكّر دائماً: الحكم المتسرع كارثة ومصيبة، في حق الحقيقة، والسكوت عن التمحيص والتثبت والتحري تغييب للعقل. ومن ملك لسانه وعقله في زمن الفوضى والتخبط الذي نعيشه الآن واقعا، ملك زمام الأمر والطريق المؤدي إلى الحق، ونجا من أن يكون أداة هدم وهو يظن أنه يدافع عن الحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى