مقالات وشعر

هم لا يحتاجون شفقة… بل فرصة

 

بقلم الدكتوة: أشواق جبارة

هل جرّبتَ يومًا أن تنظر إلى إنسانٍ قبل أن تنظر إلى إعاقته؟

إنّك ترى فيه قلبًا يمتلئ بالأحلام، وعقلًا يفكر، وروحًا تحب، وطموحًا يبتغي مكانًا مستحقًا في هذا العالم!

لو فعلنا ذلك، لتغيّرت تفاصيل كثيرة في نظرتنا إلى ذو الإعاقة؛ فهم ليسوا «حالاتٍ خاصة» كما درجنا على تسميتهم، ولا أرقامًا صماء في تقارير المؤسسات، ولا قصصًا نستحضرها في مواسم التعاطف ثم نعود إلى روتين حياتنا.

إنهم أشخاصٌ مكتملو الإنسانية، يحملون طموحاتنا ذاتها، وحقنا الأصيل في التعليم والعمل والحياة الكريمة، وتسكنهم رغبةٌ فطريّة في أن يُنظر إليهم بمدى ما يستطيعون إنجازه، لا بمدى ما يعجزون عنه.

ولأن الحديث عنهم لا ينبغي أن يظل أسير العبارات الملساء، فلنواجه الواقع: في مدارسنا وجامعاتنا وميادين عملنا، نرى أشخاصًا تحدّوا إعاقاتهم، لا لأنهم يمتلكون قوى خارقة، بل لأنهم امتلكوا الإرادة، ووجدوا -في أحايين قليلة- من منحهم فرصةً حقيقية. وفي عالمنا العربي، تجلّت نماذج مشرقة لأشخاص من ذو الإعاقة أثبتوا حضورهم الاستثنائي في التعليم والإعلام والرياضة والفنون والعمل العام، بمجرد أن توفرت لهم بيئة تؤمن بقدراتهم وتمدّهم بالأدوات اللازمة.

غير أن هناك جانبًا آخر لا تسلّط عليه الشاشات أضواءها، وهو الأهم والأكثر عمقًا: قصة الطفل الذي يطمح إلى دخول مدرسته دون أن يُحمل على الدرج، وقصة الشابة التي تحمل شهادة جامعية وتُرفض في مقابلات العمل لأن صاحب القرار يرى كرسيها المتحرك قبل أن يرى مؤهلاتها، وقصة الأب الذي يجوب الطرقات بحثًا عن موقفٍ مخصص لابنه ليجده مشغولاً بسيارةٍ لا تحمل تصريحًا، وقصة الأم التي ترافق ابنتها إلى مكانٍ عام فتجرحها نظرات الفضول والشفقة أكثر مما تستنزفها صعوبة الحركة.

هذه التفاصيل قد تبدو عابرة لمن يخوض الحياة دون عوائق، لكنها بالنسبة لشخص من ذو الإعاقة تشكّل جدارًا سميكًا يفصله عن ممارسة حياته الطبيعية.

عندما يغيب المنحدر المخصص للكرسي المتحرك عن مدخل المدرسة، فالخلل ليس في الكرسي بل في المبنى. وعندما يُستبعد شابٌ مؤهل من وظيفة، فالإشكالية ليست في إعاقته بل في النمطية الفكرية لمن يختبره. إننا نعيش في كثير من الأحيان داخل «إعاقة البيئة لا إعاقة الجسد»؛ فالحواجز هي ما نشيده بأيدينا ثم نطلب منهم عبورها بمفردهم!

إن المطلوب ليس الاقتصار على الاحتفاء بقصص النجاح الإبهارية؛ فليس كل شخص من ذو الإعاقة ملزمًا بأن يقدم نموذجًا بطوليًا أو عالمًا فذًا ليثبت أحقيته بالمكانة؛ فقيمة الإنسان لا تُقاس بضخامة إنجازه، وإنما بإنسانيته المجرّدة وحقه الأصيل في العيش بكرامة.

كم نبتغي تغيير الخطاب الموجه إليهم! فليس من الرحمة في شيء أن نوصمهم بكلمة «مسكين»، بل الرحمة الحقيقية تكمن في تسطير سؤالٍ آخر: «ماذا يستطيع أن يقدم؟ وكيف نعبّد له الطريق؟». ليس العطف أن نضعهم دائمًا في مقاعد المتلقين، بل في منحهم المساحة ليكونوا شركاء في البناء والتغيير. وليس التكريم مجرد تصفيق عابر في يومٍ عالمي يُنسى بعده وجودهم، بل إن التكريم الحقيقي هو أن تتهيأ المدارس لضمهم، وتتسع الجامعات لاحتوائهم، وتغدو بيئات العمل أكثر عدالة، والشوارع أكثر سلاسة لحركتهم، والمجتمع أكثر وعيًا بأن الاختلاف طبيعة بشرية لا تنقص من قدر صاحبها.

ولعل أسمى ما نقدمه لهم، ألا تجعل عيوننا من إعاقتهم أول ما تقع عليه. حين نلتقي بهم، ألا نبحث عن “النقص” المفترض، بل عن جوهر الإنسان الذي يجمعنا. فنحن جميعًا نحتاج إلى بعضنا بطريقة أو بأخرى؛ كل إنسان يحمل تعثرًا في جانب وقوة في جانب آخر، فما الذي يجعلنا نظن أن التفاوت في القدرة الجسدية يسقط المساواة في الكرامة؟

حريٌّ بنا أن نكفّ عن السؤال التقليدي: «ماذا ينقصهم؟»، لنطرح السؤال الأكثر وجوبًا: «ماذا ينقص مجتمعنا كي يستطيعوا العيش كما يستحقون؟».

إن ذويالإعاقة لا ينتظرون عالمًا يبكي من أجلهم، بل يبتغون عالمًا يفتح لهم الأبواب؛ مدرسة لا تخشى اختلافهم، وجامعة لا ترى في إعاقتهم عائقًا أمام طموحهم، ووظيفة تقيس كفاءتهم العقلية لا هيئتهم الجسدية، وشارعًا لا يحول خطواتهم إلى معركة، ومجتمعًا لا يشعرهم بأن عليهم الاعتذار عن اختلافهم.

وأعمق من ذلك كله… يريدون أن يُحَبّوا كما هم، لا لأنهم أبطال خارقون يتجاوزون الصعاب، ولا لأنهم يستدرّون العطف، بل لأنهم بشر، والبشر يستحقون الاحترام لذاتهم.

كيف نكون الفرصة اليوم؟

قد لا نملك تغيير العالم بأكمله، لكننا نقدر على البدء من محيطنا الصغير:

* من كلمة طيبة لا تجرح، ونظرة تقدير خالية من الشفقة.

* من موقف سيارات نتركه لمستحقيه، ويدٍ تسانِد دون أن تسلب صاحبها استقلاليته.

* من مؤسسة تفتح أبوابها وتمنح الفرصة بناءً على الكفاءة، وشارعٍ يُعبّد طريقه للجميع.

* ومن قلبٍ يتعلم أن يرى الإنسان بوضوح، قبل أن يرى إعاقته.

فالعالم لا يغدو أجمل بتلاشي الاختلافات… بل بحسن احتضانها.

وفي النهاية، لا يحتاج ذوو الإعاقة إلى أبواب استثنائية تُفتح لأجلهم، بل كل ما يحتاجونه هو أن نتوقف عن إغلاق الأبواب العادية في وجوههم؛ فهم لا يطلبون مجرد مساحة ضيقة تحت الشمس… إنهم يستحقون الدفء والنور تمامًا مثلنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى