مريم المقبل
مع إطلالة العام الهجري الجديد 1448هـ، تتجدد في وجدان الأمة الإسلامية ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، الحدث التاريخي الذي لم يكن مجرد انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بل تحولًا حضاريًا أسس لمرحلة جديدة في مسيرة الإنسانية، ورسخ قيم الدولة والعدل والتعايش والتنمية.
وتحمل هذه المناسبة الدينية العظيمة أبعادًا تتجاوز الاستذكار التاريخي، إذ تمثل فرصة سنوية لاستلهام الدروس والمعاني التي جسدتها الهجرة النبوية، وفي مقدمتها الإيمان الراسخ، والتخطيط الواعي، والصبر في مواجهة التحديات، والعمل الدؤوب لتحقيق الأهداف الكبرى. فقد قدمت الهجرة نموذجًا فريدًا في إدارة التحول وصناعة المستقبل، وهي قيم لا تزال تحتفظ بأهميتها في مختلف مراحل التنمية والتقدم.
وفي الوقت الذي تستقبل فيه المجتمعات الإسلامية عامًا هجريًا جديدًا، تتجدد الدعوات إلى تعزيز قيم الوحدة والتسامح والتكافل الاجتماعي، وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والمسؤولية المشتركة. فالأمم التي تستحضر تاريخها المشرق وتستلهم تجاربه الناجحة هي الأقدر على بناء حاضرها وصياغة مستقبلها بثقة واقتدار.
ويؤكد مختصون في التاريخ والفكر الإسلامي أن الهجرة النبوية شكلت نقطة انطلاق لمشروع حضاري متكامل، استطاع خلال سنوات قليلة أن يؤسس مجتمعًا يقوم على احترام الإنسان وصون الحقوق وتحقيق العدالة، وهو ما يجعل من هذه الذكرى مصدر إلهام متجدد للأجيال في مواجهة التحديات المعاصرة.
كما تمثل بداية العام الهجري مناسبة للمراجعة والتقييم واستشراف المستقبل، سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي، حيث تتلاقى الأهداف والطموحات مع قيم الانضباط والإتقان والإرادة التي كرستها سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تظل ذكرى الهجرة النبوية رسالة متجددة تؤكد أن صناعة الإنجاز تبدأ بفكرة، وأن التغيير الإيجابي يحتاج إلى رؤية واضحة وعمل منظم وإيمان بالقدرة على تجاوز العقبات.
ومع حلول العام الهجري الجديد، تتبادل الشعوب الإسلامية التهاني والتبريكات، سائلين الله تعالى أن يكون عامًا مليئًا بالأمن والاستقرار والرخاء، وأن يحمل للأمة العربية والإسلامية مزيدًا من التقدم والازدهار، وأن يعم السلام والخير ربوع العالم أجمع.
عام هجري جديد يفتح صفحة جديدة من الأمل والعمل، ويعيد التأكيد على أن القيم العظيمة التي صنعت أمجاد الماضي قادرة على صناعة مستقبل أكثر إشراقًا للأجيال القادمة .





