مقالات وشعر

مصفوفة بناء “حارس البوابة الخوارزمي الأخلاقي”

 د عبد العظيم نورالدين الحسن
​      عقود طويلة عاشتها الصحافة تحت مظلة نظرية “حارس البوابة التقليدي”، حيث كان رئيس التحرير أو المحرر البشري هو من يقرر ما يصلح للنشر وما يجب حجبه بناءً على معايير مهنية وسياقية. اليوم، ينازل الإنسان عن عرشه لصالح “الحارس الخوارزمي” الذي تديره لغة الأرقام.

فالخوارزمية لا تهتم بمدى دقة الخبر أو تأثيره على السلم الأهلي، بقدر ما تهتم بـ “تعظيم وقت المشاهدة” واقتناص التفاعل، مما جعل غرف الأخبار رهينة لمنطق الإثارة والتريند.

      حين النظر لسلطة حارس البوابة وفق النظرية التي وضعها  عالم الاجتماع ديفيد وايت  1950 ، نجد أن (الحقيقة)  ذات طابع “بشري سياقي”، تخضع لخبرة الصحفي وقيمه وأيديولوجية المؤسسة. والرسالة الإعلامية هنا تمر عبر سلسلة من “البوابات” التي يقف عليها أفراد (محررون، رؤساء تحرير) يتخذون قرارات بالرفض أو القبول. وسلطة الحارس هي سلطة ذاتية ومعيارية  ​تشكلها قيمه، وثقافته، خلفيته  كما تخضع لـلسياسة التحريرية للمؤسسة الضغوط المهنية والاقتصادية والسياسية.
​     أما في المنظور الخوارزمي فنجد إن (الحقيقة) تتحول إلى “بيانات كمية، حيث يتم تجريد الخبر من سياقه الإنساني ليصبح خاضعاً لمنطق الأرقام والتفاعل. حيث لم يعد حارس البوابة شخصاً، بل “بروتوكولا برمجياً” يعتمد على خوارزميات التوصية والترشيح واختيار المحتوى بناءً على السلوك السابق للمستخدم. ومنطق الرواج والانتشار إعطاء الأولوية للمحتوى الذي يولد تفاعلاً أكبر (اعجابات، مشاركات)، حتى لو كان أقل دقة. حيث تتولى الخوارزمية الرصد، الصياغة، والتوزيع دون تدخل بشري، مما يخلق نوعاً من “التحيز غير الواعي .
​       وفي امعان النظر للمنهج النبوي نجد أن (الحقيقة) ذات أبعاد “أخلاقية رسالية”، ترتبط بالمسؤولية التعبدية والأثر الاجتماعي للمعلومة الصلاح والإصلاح. وحارس البوابة في المنهج النبوي يمثل المدخل القيمي الأخلاقي، ويستند إلى أدبيات “الإعلام الإسلامي” لتأصيل دور القائم بالاتصال كـ”حارس بوابة” ذي مرجعية رسالية. ولا ينظر المنهج النبوي إلى حراسة البوابة كعملية “ميكانيكية” أو “تجارية”، بل كـ”أمانة تشريعية واجتماعية”، وتتحدد أبعادها عبر مرتكزات فلسفية واضحة. أما مرتكز التحقق والتثبت لحارس البوابة النبوي فهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. وفي المنهج النبوي: (كفَى بالمرْءِ كَذِباً أنْ يُحدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ). وهذا يمثل قمة المسؤولية في فلترة الأخبار لمنع إشاعة الفوضى.ولا يُنشر الخبر لمجرد أنه حقيقي أو رائج بل يُقاس بمآلاته على المجتمع. فالإشاعات الأخلاقية أو الأخبار التي تثير الفتنة وتفكك النسيج الاجتماعي تُحجب بنص المنهج النبوي الذي يدعو إلى وحدة الصف ونبذ خطاب الكراهية.
​السؤال الأهم هو: كيف نحول هذه القيم الروحية والاجتماعية إلى لغة برمجة يفهمها الذكاء الاصطناعي؟الإجابة تكمن في “هندسة التقنية قيمياً عبر ثلاثة مسارات تبداً بإعادة برمجة المعادلات الرياضية: بدلاً من تدريب الخوارزميات على معادلة تقليدية تعتمد على (التفاعل = الإعجابات + المشاركات)، يتم دمج متغير جديد لتصبح المعادلة: (الانتشار = حجم التفاعل × معامل الموثوقية). وبذلك، يتم معاقبة الأخبار مجهولة المصدر بخفض انتشارها آلياً.
​ثم مكابح الأزمات آلياً وذلك بإدخال فلاتر برمجية تقوم تلقائياً بإبطاء انتشار الأخبار الحساسة المتعلقة بالسلم الأهلي أو الفتن المجتمعية، لإعطاء فرصة للتحقق البشري قبل فوات الأوان.
​ عن البشر؛ إنها دعوة لإنشاء نموذج هجين  يجمع  بين الذكاء الاصطناعي والمنهج القيمي .فالذكاء الاصطناعي يتولى المهام الكمية الضخمة (الرصد والترجمة ومطابقة الصور للتأكد من عدم تزييفها)، لكن الصلاحية النهائية للنشر تظل بيد صحفي بشري يمتلك الحِس الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية.
        وبهذا نستطيع بناء ​نظام  جديد للإعلام الرقمي يمثل طوق النجاة للصحافة الرقمية المعاصرة. إنه لا يدعو إلى الانعزال عن التكنولوجيا أو معاداة الذكاء الاصطناعي، بل يدعو إلى “أنسنة الآلة” وترويض جماح الخوارزميات الرأسمالية لتصبح امتداداً رقمياً لضمير الصحفي الواعي.إنه إعلام يجمع بين “ذكاء الآلة الخارق” و”حكمة المنهج القيمي الأصيل”،

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى