مقالات وشعر

القائد المدرسي الذي يصنع الفرق

 

الدكتور / رشيد الحمد

ال‏مستشار وإخصائي في تقويم الأداء التعليمي

ناصر بن سعد الخثلان

– مع بداية عام دراسي جديد أقول لزملائي قادة المدارس

هل أخبركم من هو القائد المدرسي الذي يستطيع أن يصنع مدرسة مختلفة؟

ليس بالضرورة أكثر القادة حديثًا ولا أكثرهم إصدارًا للتعاميم والتعليمات ولا ذلك الذي يقضي يومه خلف مكتبه يتابع الحضور والانصراف فقط

القائد الحقيقي هو الذي يفهم أن المدرسة بيئة لبناء الإنسان قبل أن تكون مبنى لتقديم الدروس وأن الطالب إذا أحب مدرسته وأمِن فيها وشعر بقيمته وانتمائه إليها أصبح أكثر استعدادًا للتعلم وأكثر احترامًا للمعلم وأكثر قدرة على النجاح

ابدأوا العام ببناء جسور العلاقات مع الطلاب

اقتربوا منهم اسمعوا لهم اعرفوا أسماءهم حيّوهم عند دخول المدرسة شاركوهم مناسباتهم ونجاحاتهم واجعلوا أبوابكم وقلوبكم مفتوحة لهم

عاملوا الطالب باحترام وأشعروه أنه رجل وبطل وأن له قيمة ومكانة وأن المدرسة تنتظر منه الكثير

فالطالب الذي يشعر بأن مدرسته تحترمه سيحترمها والذي يشعر بأنها تثق به سيكون في الغالب عند مستوى هذه الثقة

ولا يكفي أن يكون القائد وحده بهذه الروح

ابنوا ثقافة مدرسية كاملة تقوم على ذلك

اجعلوا المعلمين والإداريين والمرشدين وكل من يعمل في المدرسة يؤمن بأن الكلمة الطيبة والتشجيع والابتسامة والاحتواء والتقدير ليست مجاملات بل أدوات تربوية مؤثرة

وجّهوا فريقكم إلى البحث عن نقاط القوة في الطلاب قبل البحث عن أخطائهم وإلى صناعة النجاح قبل محاسبة التعثر

فالمدرسة العظيمة لا تنتظر الطالب المتميز لتحتفي به بل تصنع التميز في الطالب العادي وتبحث عن البطل المختبئ داخله

وابنوا مدرسة فيها حياة

برامج وفعاليات ومسابقات ولقاءات ومبادرات ومواقف تربوية وتجارب تعلم تجعل الطالب يأتي إلى المدرسة وهو سعيد لا وهو يعد الساعات حتى يخرج منها

اجعلوا المدرسة مكانًا للحب والأمان والمتعة والتعلم معًا

لكن انتبهوا

الحب لا يعني التساهل والحكمة لا تعني الضعف والمتعة لا تعني الفوضى

فالانضباط المدرسي خط أحمر لأن التعلم لا ينمو في بيئة مضطربة

ضعوا قواعد واضحة وعادلة يعرفها الجميع وطبقوها بثبات وحكمة واحترام واجعلوا الطالب يفهم أن الانضباط ليس عقوبة بل قيمة وأن احترام الوقت والمعلم والزملاء والممتلكات جزء من بناء شخصيته

وازرعوا في المعلمين مفهومًا مهمًا

لا تجعلوا الحصة مكانًا يتحدث فيه المعلم طوال الوقت والطلاب يستمعون

اجعلوا الطالب يسأل ويناقش ويفكر ويجرب ويخطئ ويصحح ويعمل مع زملائه

فالتعلم الحقيقي لا يحدث بكثرة الكلام وإنما يحدث عندما يشتعل الفضول في عقل الطالب ويصبح شريكًا في تعلمه

واجعلوا التقويم من أجل التعلم حاضرًا في كل حصة

لا تنتظروا الاختبار النهائي حتى تكتشفوا أن الطالب لم يتعلم

اسألوا أثناء الدرس لاحظوا ناقشوا قدموا تغذية راجعة وعالجوا التعثر في لحظته فالقائد الناجح لا يسأل فقط هل شرح المعلم الدرس؟ وإنما يسأل السؤال الأهم هل تعلم الطلاب؟

ثم اقتربوا من الأسرة

لا تجعلوا ولي الأمر يعرف المدرسة فقط عند الرسوم أو المشكلة أو استدعاء ابنه

اجعلوه شريكًا في النجاح

أطلعوه على البرامج والإنجازات استمعوا إلى رأيه احترموا ملاحظاته وسهّلوا إجراءاته واجعلوا تجربته مع المدرسة تجربة راقية في التسجيل والنقل والتواصل والخدمات والاستجابة

لأن جودة المدرسة ليست داخل الفصل فقط بل تبدأ من أول اتصال وتنتهي بآخر خدمة تقدمها للمستفيد

وإن كنت قائدًا في مدرسة حكومية فليس لديك عميل يبحث عن مدرسة أخرى لكن لديك مسؤولية أعظم

اصنع نموذجًا يجعل الناس يقولون هذه مدرسة حكومية مختلفة

واجعلها محطة أنظار في الانضباط والتعلم والقيم والبرامج والنتائج والتطوير

وإن كنت قائدًا في مدرسة أهلية فتذكر أن أجمل إعلان لمدرستك ليس لوحة في الشارع ولا حملة في وسائل التواصل

أجمل إعلان هو طالب سعيد يتعلم وولي أمر راضٍ يتحدث عن تجربته ومعلم يشعر أنه يعمل في بيئة تحترمه

عندها تصبح المدرسة جاذبة من داخلها قبل أن تبحث عن التسويق خارجها

وأخيرًا

لا تبدأ العام الدراسي بسؤال

ماذا سننفذ هذا العام؟

ابدأ بسؤال أكبر

أي مدرسة نريد أن نصنع؟ وأي إنسان نريد أن يخرج من أبوابها؟

فالقائد المدرسي الحقيقي لا يدير يومًا دراسيًا فقط

إنه يبني ثقافة ويغرس قيمًا ويصنع علاقات ويقود تعلمًا ويكتشف مواهب ويمنح الأمان ويزرع الانضباط ويصنع ذكريات جميلة قد تبقى في نفوس طلابه عشرات السنين

المدارس المتشابهة كثيرة

لكن المدرسة التي يقودها قائد صاحب رسالة وروح وحكمة وأثر لا تشبه غيرها

وفق الله قادة مدارسنا ومعلمينا في عام دراسي جديد يكون فيه الطالب هو الغاية والتعلم هو الجوهر والقيم هي البوصلة والانضباط هو الحارس والحب والحكمة هما الطريق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى