
بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
إن اتخاذ القرار في مسيرة الحياة ليس مجرد خطوة عابرة أو خيارًا عشوائيًا، بل هو هندسة دقيقة ترسم ملامح المستقبل، وتحدد مسارات النجاح للأفراد والمؤسسات على حد سواء. وفي عالم تتسارع فيه المتغيرات، وتتعاظم فيه التحديات، وتتزاحم فيه البدائل، يجد الإنسان نفسه أمام مسؤولية اتخاذ قرارات قد تصنع مستقبله أو تغيّر مسار مشروعه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى منهجية متكاملة لا تقتصر على الحسابات المادية أو الرؤية الآنية، بل تجمع بين اليقين الإيماني، والوعي الإداري، والاستشراف الواعي لعواقب الأمور.
فالقائد الناجح وصانع القرار الحكيم لا ينشغل ببداية الطريق فحسب، وإنما يتأمل نهايته قبل أن يخطو أولى خطواته؛ فيرسم مسارًا واضحًا، ويضع البدائل المناسبة، ويستعد لمواجهة المتغيرات بثبات وحكمة. وهذه المنهجية تتجسد في ركيزتين عظيمتين أرشد إليهما الإسلام، وأثبتت التجارب الإدارية نجاحهما؛ وهما الاستخارة والاستشارة.
وتبدأ صناعة القرار الرشيد بتجريد التوكل على الله سبحانه وتعالى، واللجوء إليه بصلاة الاستخارة، فهي ليست مجرد عبادة تؤدى عند الحيرة، وإنما إعلان صادق عن افتقار الإنسان إلى ربه، وتسليم كامل لحكمته وعلمه الذي أحاط بكل شيء. ومن الناحية الإيمانية والنفسية، تمنح الاستخارة صاحب القرار سكينةً وطمأنينةً، وتخفف عنه عبء القلق والتردد، وتحرره من الخوف من المستقبل. فإذا استخار العبد ربه، ثم مضى بعد ذلك بالأسباب المشروعة، أيقن أن الخيرة فيما اختاره الله تعالى، وأن ما يقدره سبحانه هو الخير وإن خفيت حكمته في البداية؛ ولذلك كانت الاستخارة أعظم معين على الثبات، وأصدق وقاية من الندم.
وإذا كانت الاستخارة صلةً وثيقةً بالله عز وجل، فإن الاستشارة تمثل الاستفادة المثلى من خبرات البشر وتجاربهم. فهي في الفكر الإداري الحديث إحدى أهم ركائز الحوكمة الرشيدة، ووسيلة فعالة لتقليل المخاطر، وتوسيع آفاق الرؤية، واكتشاف ما قد يغيب عن صاحب القرار. فاستشارة أهل العلم والخبرة والاختصاص تسهم في تحليل الخيارات، وقراءة التحديات، وبناء خطط أكثر واقعية وكفاءة.
وليس طلب المشورة دليلًا على ضعف القيادة، بل هو عنوان نضجها ورجاحة عقل صاحبها؛ فالقائد المتميز هو من يجمع إلى خبرته خبرات الآخرين، ويستفيد من تجاربهم، ويستضيء بآرائهم؛ ليحسن اتخاذ القرار، ويتجنب مواطن الخطأ، ويعرف كيف يدخل أي مشروع وهو يدرك منذ البداية وسائل النجاح، وخطط البدائل، ومخارج الأزمات. وقد صدق الأثر المشهور: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار».
وعندما تجتمع بركة الاستخارة مع حكمة الاستشارة، يتشكل نموذج قيادي متوازن يجمع بين التوكل الصادق، والأخذ بالأسباب، والإيمان العميق، والتخطيط العلمي. وهذا التكامل يمنح القرار قوةً وثباتًا، ويكسبه قبولًا وثقةً، لأنه يخاطب العقل بالمنهج، ويخاطب القلب بالإيمان، ويؤسس لقرارات راسخة تقوم على دراسة واعية، ورؤية بعيدة، واستعدادٍ لما قد يستجد من متغيرات.
ومن هنا تبرز القاعدة الذهبية التي ينبغي أن تكون منهجًا لكل قائد، ورائد أعمال، وصاحب مشروع، ولكل من يقف أمام قرار مصيري: «فكّر بالخروج قبل الدخول»؛ فلا تقدم على مشروع حتى تعرف كيف ستتعامل مع تعثره، ولا تبدأ شراكة حتى ترسم آلية إنهائها إن اقتضت المصلحة، ولا تدخل استثمارًا حتى تضع خطة واضحة لإدارته والخروج منه عند الحاجة. فالتخطيط للمخرج ليس تشاؤمًا، بل هو قمة الحكمة، وعلامة على نضج التفكير، وحسن التدبير.
وفي الختام، فإن النجاح الحقيقي لا يتحقق بحسن البدايات وحدها، وإنما بحسن العواقب وسلامة النهايات. ومن أراد قرارًا مباركًا موفقًا، فليجمع بين الاستخارة التي تستنزل توفيق الله تعالى، والاستشارة التي تستثمر خبرات أهل الرأي والاختصاص، ثم يمضي متوكلًا على الله، آخذًا بالأسباب، مستعينًا به في كل خطوة؛ فبهذا تكتمل معادلة النجاح، وتترسخ جودة القرار، وتتحقق بإذن الله أفضل النتائج في الدنيا والآخرة.
وللحديث بقية… ففي الجزء الثاني سنتناول بإذن الله تعالى «فقه التنفيذ وفن الحسم»، وكيف ينتقل القرار من مرحلة التفكير والتخطيط إلى مرحلة التنفيذ الفاعل، وإدارة المخاطر، وصناعة البدائل، وتحقيق النتائج، مع بيان أثر الاستشارة والاستخارة في كل مرحلة من مراحل صناعة القرار.






