مقالات وشعر

هَنْدَسَةُ العُبورِ إلَى العَدَمِ الأَوَّل

بقلم عبدالعزيز عطيه 

لماذا غادروا؟

بل: كيف استمرّت المأساةُ فينا كشكلٍ آخر من أشكال الحياة؟

كيف استُبدِل الوجودُ بظلٍّ،

ثم شيّدنا للظلّ هيكلًا

وأقمنا فيه كآلهةٍ منسيّة؟

​───

​ربما لأنّ الوعي بالذات ذعرٌ محتوم.

لأنّ الاسم الذي كان يرتجّ له العدم

استحال همسًا محايدًا؛

وما كان يمزّق الأفقَ

صار مجرّد مرآةٍ صامتة

تُخبرك—ببرودٍ تام—أنّك لم تزل ثقيلًا بالوجود.

​───

​هنا تبدأ الطقوس السريّة:

الذاكرة كاهنٌ أعمى يمارس الغواية،

والعقلُ مشعوذٌ يحاول حلّ طلسَم القلب.

لا يتعلق الأمر بالمحو،

فالمحوُ اعترافٌ بالأثر.

إنما بالإفراغ؛

أن تعبر الهاويةَ دون أن تتساءل عن عمقها.

​───

​الزمنُ لا يرمّمُ شيئًا،

إنه يمارس التعرية.

يجردُنا من كلّ ما استعرناهُ لنتوهّم الكثافة،

ويترك النواة.

نحن لسنا أفرادًا؛

نحن طبقاتٌ رسوبيّة من أوهامٍ متلاحقة،

كلّ فقدٍ فيها تشكّلٌ،

وكلّ عشقٍ ندبةٌ تضيء.

​───

​وفي قاع النغمة…

تتجلّى الخديعة الكبرى:

لم يكن العبورُ يتعلق بالراحلين قط.

كان مجرّد مناورةٍ من اللاشيء،

كي تكتشفَ الروحُ كيف تنكشِف،

كيف تتفتّت،

ثم تعود لامتصاص فراغها الخاص.

​فبعضُ السقوطِ لا يُكسِرُ الفخّار…

بل يتخلّله،

ليجعل منهُ ممرًا

نحو العدمِ الأوّل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى