
الدكتور : رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– ليس من السهل أن تتحدث عن البرامج الرياضية دون أن تدخل في دائرة المقارنة أو النقد، لكن حين نشاهد تجربة تستحق الإشادة، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول: شكرًا لمن أعاد للطرح الرياضي شيئًا من هدوئه ورونقه.
المتابع للبرامج الرياضية خلال هذا الأسبوع، وخصوصًا في قناة روتانا وبرنامج المنصة في «ثمانية»، يلاحظ حضورًا مختلفًا في الطرح، وتنوعًا جميلًا في الضيوف، وأسلوبًا راقيًا في إدارة الحوار. والأهم من ذلك كله أن المشاهد يشعر بأن هناك مساحة حقيقية للحديث عن الرياضة بعيدًا عن التشنج والمبالغة والتعصب.
لقد نجح مقدمو هذه البرامج، وبالأخص الوجوه الجديدة التي ظهرت في المشهد، في تقديم صورة مشرفة للإعلام الرياضي السعودي؛ صورة تقوم على الحوار، والاستماع، واحترام الرأي الآخر، وإعطاء الضيف فرصته كاملة للتعبير عن وجهة نظره.
والجميل أن هذا الهدوء لا يعني غياب الحماس، ولا يعني أن البرامج فقدت الإثارة، بل على العكس؛ فقد أثبتت التجربة أن الطرح الهادئ يمكن أن يكون أكثر جاذبية، وأن الاختلاف يمكن أن يكون ممتعًا دون أن يتحول إلى خلاف.
نحن في مجتمع يعشق كرة القدم، بل إن كرة القدم أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية. والجمهور السعودي من أكثر الجماهير متابعة وشغفًا بالرياضة، ولذلك فإن تأثير البرامج الرياضية يتجاوز حدود الشاشة؛ فما يقال فيها قد يصنع وعيًا رياضيًا، وقد يصنع في المقابل حالة من الاحتقان والتعصب بين الجماهير.
ومن هنا تأتي أهمية المسؤولية الإعلامية.
نحن لا نطالب بأن تكون البرامج الرياضية بلا رأي أو بلا اختلاف، ولا نريدها أن تتحول إلى نقاشات باهتة تخلو من الحماس، ولكننا نريد اختلافًا يحترم عقل المشاهد، وحوارًا لا ينتقص من أحد، ونقدًا يذهب إلى الفكرة لا إلى الشخص.
ما نشاهده هذه الأيام من هدوء في بعض البرامج الرياضية، وتفاهم بين الضيوف، وحضور مميز، وابتعاد عن الشحن وإثارة الجماهير، أمر يثلج الصدر، ويؤكد أن الإعلام الرياضي السعودي قادر على تقديم نموذج مختلف عندما تتوافر له المهنية والقدرة على إدارة الحوار.
ولعل الرسالة الأهم هنا ليست الإشادة ببرنامج أو قناة بعينها، وإنما الدعوة إلى استمرار هذا النهج وتطويره.
فالرياضة السعودية اليوم تعيش مرحلة مختلفة، وما يواكب هذه المرحلة من إعلام يجب ألا يكون مجرد انعكاس للحدث الرياضي، بل شريكًا في صناعة الوعي الرياضي والثقافة الجماهيرية.
لقد تجاوزت الرياضة السعودية مرحلة كبيرة من مراحل التطور، ومن الطبيعي أن يتطور معها خطابنا الرياضي.
نريد إعلامًا رياضيًا يرفع مستوى النقاش، لا مستوى الضجيج؛ يقرب الجماهير، لا يفرقها؛ ويختلف في الرأي، دون أن يختلف في الاحترام.
وحين نرى هذا النموذج حاضرًا على الشاشة، فمن الإنصاف أن نقول لمن يقف خلفه:
أحسنتم… استمروا.
فالإعلام الرياضي الجميل لا يحتاج إلى صراخ حتى يصل صوته.






