مقالات وشعر

الدم بالدم.. نبض يورق في عروق الآخرين

بقلم: ديمة الشريف
الدم بالدم عبارة طالما ارتبطت في الأذهان بصراعات البشر ونزاعاتهم، لكنها هنا، في محراب العطاء الإنساني، ترتدي ثوباً طاهراً غسيل الملامح، لتصبح شعاراً للبقاء، ودليلاً على التراحم، وعهداً مكتوباً بمداد الحياة الحرة.
إنها ليست دعوة للفناء، بل هي نداء مقدس لإحياء النفوس وتشييد جسور الإخاء بين البشر.
أن تتقدم بخطى واثقة لتهب قطرات من عروقك، يعني أنك تقرر طواعية أن تمنح حياة أخرى لجسد أنهكه النزف، وأن تمد يد الغوث لأنفس بشرية شارف قنديلها على الانطفاء بعد أن فقدت دماءها في غفلة من موازين الجسد وعواصف المرض أو الحوادث، فإذا بك بتبرعك النبيل هذا، تفك أسرها من غيابة الردى، وتعيد لها نبض الحياة وتوقد شعلة الأمل مرة أخرى في عيون كادت أن تستسلم للمغيب.
إن التبرع بالدم ليس مجرد إبرة ووحدة دم تُعطى في مشهد طبي عابر داخل ردهات المستشفيات الباردة، بل هو رسالة حياة تنساب من قلب إنسان إلى عروق إنسان آخر. هو أعمق وأبلغ من مجرد إجراء طبي؛ إنه حديث صامت يتدفق بين قلبين لم يلتقيا قط في دروب الدنيا، ولربما لن يلتقيا أبداً.
هو حبل سري خفي من النور والأمل، يعبر عليه المريض المثقل بالأوجاع من ضفة الخوف والخطر، إلى بر الأمان الفسيح والشفاء الوافر.
ما أروع أن يمتد وجودك ليدب في جسد غريب، وما أسمى تلك اللحظة التي تدرك فيها أن قطرة من دمك الساكن في عروقك الآن، ستصبح غداً ضحكة طفل عاد إلى أحضان أمه، أو بسمة أب استعاد عافيته ليقوى على رعاية صغاره.
إنه العطاء الطاهر السخي الذي لا ينتظر مقابلاً، ولا يبتغي ثناءً، سوى أن يرى الحياة تورق من جديد في ملامح إنسان أحياه الله بفضل نبضة خرجت من أعماق قلبك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى