مقالات وشعر

اليوم العالمي للصحة النفسية.. وعيٌ ينصف الإنسان من الداخل

بقلم الإعلامية / فاطمة إبراهيم البلوي – تبوك

في العاشر من أكتوبر من كل عام.. 

يأتي اليوم العالمي للصحة النفسية ليضع أمامنا قضية إنسانية تستحق أن نتوقف عندها بوعي واهتمام.. 

قضية لا تتعلق بالمشاعر وحدها.. 

بل بقدرة الإنسان على مواصلة حياته.. ومواجهة ضغوطها.. 

والحفاظ على توازنه في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتزايد فيه المسؤوليات.

الصحة النفسية ليست رفاهية.. 

وليست أمرًا ثانويًا يأتي بعد الاهتمام بصحة الجسد.. 

بل هي جزء أساسي من صحة الإنسان وجودة حياته.. 

فكما يحتاج الجسد إلى الرعاية والعلاج.. تحتاج النفس أيضًا إلى الاهتمام والفهم والدعم.. 

وحين نهمل ما يحدث في داخلنا قد تتراكم الضغوط حتى يصبح أبسط ما نواجهه أثقل مما نحتمل..

وفي حياتنا اليومية…

يتعرض الإنسان لضغوط متعددة.. مسؤوليات أسرية.. 

وأعباء مادية.. 

وتحديات اجتماعية ومهنية.. 

وتجارب مؤلمة قد تترك أثرها في داخله حتى بعد مرور وقت طويل عليها.. 

وبين كل ذلك…

هناك من يواصل أداء واجباته ويمنح الآخرين شعورًا بالطمأنينة.. 

بينما يخوض في داخله معركة لا يعرف تفاصيلها أحد..

المشكلة ليست دائمًا في الألم..

بل أحيانًا في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع المتألم…

فما زلنا بحاجة إلى تعزيز الوعي بالصحة النفسية.. 

والتوقف عن ربط التعب النفسي بالضعف.. 

أو اعتبار طلب المساعدة عجزًا عن مواجهة الحياة فليس من الضروري أن يصل الإنسان إلى مرحلة الانهيار حتى يستحق الاهتمام…

وليس مطلوبًا منه أن يخفي مشاعره حتى يبدو قويًا أمام الآخرين..

ومن المهم أن ندرك أن الاستماع قد يكون بداية حقيقية للمساندة.. 

وأن احترام مشاعر الآخرين لا يعني بالضرورة أن نمتلك حلولًا لكل مشكلاتهم.. بل أن نمنحهم مساحة آمنة للتعبير دون تقليل أو سخرية أو أحكام مسبقة.. 

فبعض الكلمات التي نقولها باستخفاف قد تترك أثرًا عميقًا.. 

وبعض المواقف البسيطة قد تمنح إنسانًا شعورًا بأنه ليس وحده..

كما أن نشر الوعي بالصحة النفسية يتطلب تصحيح المفاهيم الخاطئة.. وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة عند الحاجة.. 

وتوفير بيئات أسرية وتعليمية ومهنية أكثر تفهمًا واحتواءً.. 

لأن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده.. بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع والمؤسسات التي تستطيع أن تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الإنسان…

ولا يعني الاهتمام بالصحة النفسية أن تكون حياتنا خالية من الحزن أو القلق.. فهذه مشاعر إنسانية قد يمر بها الجميع.. وإنما يعني أن نتعلم كيف نفهمها ونتعامل معها.. 

وأن نعرف متى نحتاج إلى الراحة.. 

ومتى نحتاج إلى الدعم.. 

ومتى يصبح طلب المساعدة خطوة ضرورية لا ينبغي تأجيلها..

وفي اليوم العالمي للصحة النفسية…

لا يكفي أن نتحدث عن الوعي في مناسبة سنوية ثم نعود إلى ممارساتنا المعتادة.. بل نحتاج إلى أن يتحول هذا الوعي إلى سلوك يومي.. 

في طريقة حديثنا.. 

وفي أحكامنا.. 

وفي تعاملنا مع الأشخاص الذين قد لا نعرف حجم ما يمرون به..

فخلف كل إنسان حكاية…

وخلف بعض الابتسامات تعب لا يُحكى.. وخلف الصمت أحيانًا مشاعر تحتاج إلى من يسمعها باهتمام.. 

دون أن يطالب صاحبها بتبريرها ..

الصحة النفسية حق إنساني.. 

والوعي بها مسؤولية مشتركة.. 

والرحمة في التعامل مع الآخرين ليست مجاملة عابرة.. 

بل قيمة تكشف مقدار إنسانيتنا…

ولعل الرسالة الأهم في هذه المناسبة.. 

أن نمنح الإنسان حقه في أن يتعب دون أن ننتقص منه.. 

وأن يطلب المساعدة دون أن نخجلّه.. 

وأن يجد من يفهمه حين تعجز الكلمات عن وصف ما يشعر به..

فقد لا نستطيع أن نغيّر كل ما يواجهه الآخرون.. 

لكننا نستطيع أن نكون جزءًا من بيئة أكثر وعيًا ورحمة.. 

بيئة لا تُنكر الألم.. 

ولا تُقلل من المعاناة.. 

وتؤمن بأن الإنسان يستحق الرعاية والاحتواء في صحته الجسدية والنفسية على حد سواء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى