مقالات وشعر

عندما يكبر الأبناء… ويصغر الأدب

بقلم الإعلامي : صالح المحجم

ليس أشد وجعاً على قلب الأب من أن يرى أبناءه يكبرون أمام عينيه… ثم يظنون أن كبر أعمارهم يمنحهم حق رفع أصواتهم عليه.
فالأب لا ينكسر عندما يشتد عليه التعب، ولا حين تضيق به الدنيا، ولا عندما يرهقه العمل في سبيل أسرته.
إنما ينكسر حين يسمع كلمةً جارحة خرجت من فم ابنٍ كان بالأمس يختبئ خلف ظهره خوفاً، فإذا به اليوم يقف أمامه نداً، يرفع صوته، ويجادله، وربما يسخر من رأيه.
كبر الأبناء…
لكن بعضهم نسي أن الأب لا تكبر منزلته بسنواته، بل بعظيم فضله.
أيها الابن…
حين تظن أنك أصبحت رجلاً لأنك تحمل وظيفة، أو تملك مالاً، أو أصبح لك بيت وأسرة، فلا تنس أن هناك رجلاً سبقك إلى كل ذلك، ثم أفنى شبابه لتصل أنت إلى ما وصلت إليه.
قبل أن تعترض على كلمة قالها والدك، تذكر أنه كان يصحح أخطاءك بصبر.
وقبل أن تنزعج من نصيحته، تذكر أنه أمضى سنوات عمره يحرس مستقبلك.
وقبل أن يعلو صوتك عليه، اسأل نفسك سؤالاً واحداً…
كيف سيكون شعورك لو فعل ابنك بك غداً ما تفعله اليوم بأبيك؟
فالدنيا لا تقف عند أحد، والأيام تدور، ومن يزرع اليوم قسوةً في قلب أبيه، قد يحصدها غداً من أقرب الناس إليه.
وأثناء حديثي مع أحد الزملاء، قصّ عليّ قصةً ما زلت كلما تذكرتها شعرت بثقلها في قلبي.
قال لي:
“رفعت ابنتي صوتها عليّ حتى كسرت شيئاً في داخلي لم أستطع إصلاحه.”
ثم أكمل وعيناه تفيضان ألماً:
“في تلك الليلة، وبعد صلاة الوتر، وفي الثلث الأخير من الليل، دعوت عليها وأنا أبكي. لم يكن دعاء غاضب، بل دعاء قلبٍ موجوع لم يحتمل ما سمعه من فلذة كبده.”
ثم سكت قليلاً وقال:
“وفي صباح اليوم التالي جاءت إليّ، وقبّلت رأسي، واعتذرت وهي تبكي.”
ثم تنهد وقال:
“لكن… بعد ماذا؟ لقد سبق السيف العذل.”
ولم يكتمل الشهر حتى اشتكت من آلام شديدة، فنقلناها إلى المستشفى، وأخبرنا الأطباء أن السرطان قد انتشر في بطنها، ولم يعد بأيديهم شيء سوى الدعاء لها.
وبعد أشهر قليلة… رحلت.
كنت أستمع إليه وأنا أظن أن الحديث سيغرقه بالبكاء.
لكنه التفت إليّ وقال:
“أتصدق يا أبو روان… أنني لم أبكِ عليها.”
أصابني الذهول، فسألته:
“كم مضى على وفاتها؟”
قال:
“أربع سنوات.”
ثم قال كلمةً لا تزال ترن في أذني حتى هذه اللحظة:
“لا أتذكر مرضها، ولا جنازتها، ولا قبرها… كلما تذكرتها، تذكرت ذلك اليوم الذي رفعت فيه صوتها عليّ.”
خرجت من عنده وأنا أسأل نفسي:
أي جرحٍ هذا الذي يستطيع أن يبقى في قلب الأب أربع سنوات، ولا تمحوه الأيام؟
وهل يدرك بعض الأبناء أن الكلمة قد تنتهي من أفواههم في لحظة، لكنها تبقى في قلب أبيهم دهراً؟
أيها الأبناء…
لا تغتروا بأنكم كبرتم.
فمهما بلغ بكم العمر، ومهما علت مناصبكم، ومهما كثرت أموالكم، ستبقون أمام آبائكم أولئك الأطفال الذين كانوا يمسكون بأيديهم خوفاً من الطريق.
ولا تجعلوا لحظة غضب تهدم سنواتٍ من البر.
ولا تؤجلوا الاعتذار.
فبعض الجراح لا يشفيها الاعتذار، وبعض الكلمات تبقى عالقة في القلب حتى آخر العمر.
أما أكثر النهايات وجعاً…
فليست أن يرحل الأب، ولا أن يرحل الابن…
بل أن يعيش الأب بقية عمره وهو كلما نظر إلى ابنه أو تذكر ابنته، لا يتذكر أجمل المواقف، ولا سنوات التربية، ولا لحظات الفرح…
بل يتذكر فقط… تلك الكلمة التي رفعت صوتها عليه، فكسرت في قلبه شيئاً لم يستطع أحد أن يعيده كما كان.

وما أقسى أن يكتشف الإنسان متأخراً أن كلمةً خرجت في لحظة غضب… كانت آخر ما بقي في ذاكرة والده عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى