مقالات وشعر

حين يبتسمُ الكيسُ المُعلّق: ترانيم الجرعة الأخيرة وعتبات الشفاء

بقلم : ديمة الشريف 

تجلسُ على ذلك المقرّب من النافذة، يتدفقُ الضوءُ من زجاجها كشلالٍ من الأمل يغسلُ عتمة الأيام الماضية. في الغرفة التي شهدت معارك صامتة، يرتفع اليوم صوتُ الترقب، وتتسارع دقات القلب لا خوفاً ولا جزعاً، بل شغفاً بلمس خط النهاية. هناك، بين أروقة المستشفى، ثمة حكاية صبرٍ تُطوى صفحتها الأخيرة، وثمة لوحة ألوانها وردية تُعلن للعالم: لقد دنت جرعة العافية.

تأملتُ ذلك الكيس الوردي المُعلّق على الحامل الحديدي، لم يعد شبحاً يخافه الجسد، بل غدا في هذه اللحظة بالذات عابراً يجمع حقائبه ليرحل إلى غير رجعة. رسموا عليه وجهاً مبتسماً، وكأنما الإنسانية تلمسُ أطراف الطب لتداوي الروح قبل البدن. بجانبه، شريطٌ وردي يختزل حكايات نساءٍ ورجالٍ تحلّوا بالصبر، وكفّان مرفوعتان إلى السماء، تختصران ملايين الدعوات التي صعدت في جوف الليل: “يارب صبّر، يارب خفّف، يارب اجعلها برداً وسلاماً”.

إنها الجرعة الأخيرة؛ لحظةٌ تختلط فيها الدموع بالزغاريد الصامتة، حيث يمتزجُ تعب الجسد المنهك بانتصار الروح العازمة. خلف هذا اليوم شهورٌ طويلة من الذبول، من ملمس الوسادة الخالية من الشعر، من تغير المذاق وجفاء النوم، ومن غثيانٍ ينهش القوة. لكن اليوم، يمرّ العلاج خفيفاً وسريعاً، تسانده دعوات الأحبة التي تحفّ السرير كأجنحة الملائكة، وتقرّ الأعين برؤية المريض وهو يخطو أولى خطواته نحو الحياة من جديد، بجسدٍ يتطهر، وبمناعةٍ تستعد لبناء قلاعها مجدداً.

ما أجمل الشفاء حين يقترب، وما أعظم الصبر حين يُثمر .

تخرج تلك المواد الكيماوية من الجسد في غضون أيام، مفسحة المجال لشمس الصحة أن تشرق، وللشعر أن ينبت كعشب الربيع بعد شتاء قاس. 

إنها ليست مجرد نهاية لعلاج طبي، بل هي ولادة ثانية، وإعلان انتصار يُثبت أن الأمل أقوى من الألم، وأن عيون الأحبة التي دمعت خوفاً، ستقرّ اليوم فرحاً وفخراً بسلامة من يحبون.

يا رب، كما قربت الجرعة الأخيرة، أتمم العافية على كل جسدٍ أنهكه السهر، واجعل هذه المحطة فجراً جديداً يملأ بيوتنا بالصحة والسلامة، لتظل تلك اللوحات الاحتفالية شاهداً على أن رحمة الله أوسع، وأن الشفاء دائماً قادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى