
بقلم: الإعلامي سعود حماد العنزي
ليست كل المسافات التي تنشأ بين الأحبة والأصدقاء إعلاناً عن نهاية العلاقة، فبعض المسافات لا تأتي لتفصل القلوب، بل لتكشف ما عجز القرب عن إظهاره. وربما كانت المسافة أحياناً أكثر صدقاً من اللقاء، وأكثر قدرة على كشف حقيقة المشاعر من سنوات طويلة من الألفة والاعتياد.
في فلسفة العلاقات الإنسانية، ثمة فرق عميق بين أن نعتاد وجود الأشخاص في حياتنا، وأن ندرك قيمتهم الحقيقية فيها. فالقرب المستمر قد يجعل بعض العلاقات جزءاً من تفاصيل يومنا، حتى ننسى أن نسأل أنفسنا: هل نحن متمسكون بهؤلاء الأشخاص لأنهم يمثلون قيمة في أرواحنا، أم لأننا اعتدنا حضورهم ولم نختبر غيابهم؟
المسافة هنا ليست غياباً بقدر ما هي مراجعة صامتة.
حين نبتعد قليلاً، تتراجع ضوضاء التفاصيل اليومية، وتهدأ الانفعالات، وتبدأ الذاكرة في إعادة ترتيب المشاهد. نكتشف أن بعض الخلافات كانت أصغر مما تصورنا، وأن بعض المواقف التي تجاوزناها كانت أعمق مما اعترفنا به، وأن أشخاصاً منحناهم مساحة واسعة من قلوبنا لم يمنحونا المساحة ذاتها من اهتمامهم.
لكن الفلسفة الأعمق للمسافة تكمن في أنها لا تكشف الآخرين وحدهم، بل تكشفنا نحن أيضاً. فقد ندرك أننا بالغنا في العطاء حتى أرهقنا أرواحنا، أو بالغنا في العتاب حتى ضيقنا على من نحب، أو انتظرنا من الآخرين أن يعبروا عن محبتهم بالطريقة التي نفهمها نحن، متناسين أن للمشاعر لغات مختلفة.
ولعل السؤال الأكثر إيلاماً ليس: من افتقدنا حين ابتعدنا؟ بل: من شعرنا بالسلام في غيابه، ومن افتقدنا حضوره رغم كل ما بيننا من خلاف؟
هنا تتجلى حقيقة لا نلتفت إليها كثيراً؛ فليس كل من نفتقده يستحق العودة، وليس كل من نشعر بالراحة بعيداً عنه شخصاً سيئاً. أحياناً تكون العلاقة جميلة، لكنها مرهقة، ويكون الإنسان عزيزاً، لكن استمرار القرب بالطريقة ذاتها يستنزف الطرفين.
ومن الخطأ أن نجعل المسافة اختباراً متعمداً للمحبة، فنغيب لنرى من يبحث عنا، أو نصمت لنقيس مقدار اهتمام الآخرين بنا. فالعلاقات الصادقة لا ينبغي أن تتحول إلى امتحانات خفية، ولا يجوز أن نقيس مكانتنا في القلوب بعدد الرسائل أو محاولات السؤال. فقد يحبنا إنسان بصمت، وقد يفتقدنا آخر دون أن يمتلك شجاعة الاقتراب.
إن النضج الحقيقي لا يعني أن نقطع علاقاتنا كلما اختلفنا، ولا أن نتمسك بها مهما كلفتنا، بل أن نمتلك الحكمة للتمييز بين علاقة تحتاج إلى إصلاح، وأخرى تحتاج إلى مساحة، وثالثة استنفدت أسباب استمرارها.
فالمسافة الناضجة لا تصنع القطيعة، وإنما تمنح العقل فرصة ليفهم ما عجز القلب عن تفسيره وهو في زحام المشاعر.
والأجمل أن نعود من هذه المسافة أكثر وعياً، لا أكثر قسوة؛ أن نعيد ترتيب حدودنا دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نحفظ للأحبة والأصدقاء مكانتهم حتى حين تختلف طرقنا، وألا نحول الذكريات الجميلة إلى خصومة لمجرد أن الحاضر لم يعد يشبه الماضي.
فبعض العلاقات تستحق أن نعبر المسافات من أجلها، وبعضها يستحق أن نحتفظ بجماله في الذاكرة، دون أن نعيده إلى حياتنا بالصورة ذاتها.
وفي نهاية هذه المراجعة، ندرك أن المسافة لا تزيد قيمة الإنسان ولا تنقصها، وإنما ترفع عن العلاقة غطاء الاعتياد، فتظهر لنا حقيقتها كما هي، لا كما تمنينا أن تكون.
وأعمق ما تعلمنا إياه المسافات أن القرب ليس دليلاً دائماً على المحبة، كما أن البعد ليس برهاناً على النسيان؛ فقد تسكن أرواح بعيدة أعماق قلوبنا، بينما يمر بالقرب منا أشخاص لا يتركون في أرواحنا أثراً.
وهكذا لا يكون السؤال: كم ابتعدنا عن بعضنا؟ بل: ماذا اكتشفنا عن أنفسنا وعن علاقتنا خلال هذا الابتعاد؟
فالعلاقات التي تقوم على المحبة الصادقة لا تهزمها المسافات، وإنما قد تهزمها القلوب حين تفقد قدرتها على الفهم والتقدير.
وربما كانت أعظم حكمة تمنحنا إياها المسافة أن نعرف متى نقترب بمحبة، ومتى نبتعد باحترام، ومتى ندرك أن بقاء الود لا يشترط دائماً بقاء العلاقة كما كانت.





