
بقلم: سعود حماد العنزي
لم أكن أعلم أن إعلاناً في صحيفة سيكون بداية واحدة من أعظم التجارب الإنسانية في حياتي، وأن كلمات أم تبحث عن الأمل لابنتها ستقودني إلى رحلة طويلة من الفحوصات والانتظار، تنتهي بأن أمنح جزءاً من جسدي لإنسانة لم تجمعني بها قرابة أو معرفة سابقة.
كانت البداية عندما قرأت مناشدة في إحدى الصحف المحلية لوالدة فتاة تُدعى نورة، يتيمة الأب، تعاني الفشل الكلوي، وتحتاج إلى متبرع ينهي معاناتها مع المرض.
توقفت أمام تلك المناشدة طويلاً. لم تكن بالنسبة إليّ مجرد خبر عابر، بل كانت صرخة أم تخشى على ابنتها، ونداءً إنسانياً شعرت أنه وصل إلى قلبي قبل أن يصل إلى عيني.
كان بإمكاني أن أقلب الصفحة وأواصل يومي، كما نفعل أمام كثير من الأخبار، لكنني وجدت نفسي أتساءل: ماذا لو كنت أنا الشخص الذي يستطيع، بعد توفيق الله، أن يمنح هذه الفتاة فرصة لحياة أفضل؟
لم تكن تربطني بنورة أدنى صلة قرابة، ولم أكن أعرف أسرتها، ولم يكن هناك واجب اجتماعي يفرض عليّ التدخل. لكنني أدركت أن الإنسانية لا تحتاج إلى قرابة، وأن الألم حين يصل إلى قلوبنا يصبح مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاهلها بسهولة.
ومن هنا اتخذت قراري بالتواصل مع والدتها، وإبداء استعدادي للتبرع بإحدى كليتي.
البداية من الرياض… حين اصطدم الأمل بالعقبات
بدأت رحلتي الطبية في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، حيث خضعت للفحوصات والإجراءات اللازمة للتأكد من إمكانية التبرع.
كنت أتطلع إلى اليوم الذي تنتهي فيه معاناة نورة، لكن النتائج الطبية كشفت عن وجود أجسام مضادة لديها، حالت دون إتمام التبرع المباشر في تلك المرحلة.
لم يكن الأمر سهلاً، فقد دخلت هذه الرحلة بإرادتي، وكنت أرجو أن تسير الأمور كما تمنيت، لكنني وجدت أمامي عائقاً طبياً لم يكن بالإمكان تجاوزه حينها.
ومع ذلك، لم يكن هذا العائق نهاية الطريق.
فمن خلال مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، أُدرجت في برنامج تبادل الكلى، وهو برنامج يتيح البحث عن توافق مناسب بين المتبرعين والمرضى، بما يساعد على إتاحة فرص الزراعة عندما يتعذر التبرع المباشر.
وهكذا انتقلت من انتظار إجراء عملية واحدة إلى رحلة جديدة من الصبر والترقب.
سنوات الانتظار… حين يصبح الصبر جزءاً من العطاء
مضت الأيام والشهور والسنوات، وبقيت الرغبة في التبرع حاضرة في نفسي.
لم يكن التحدي في اتخاذ القرار وحده، بل في الاستمرار عليه رغم طول الانتظار والعقبات الطبية.
فالتضحية لا تُقاس دائماً بلحظة اتخاذ القرار، وإنما قد تظهر حقيقتها عندما يطول الطريق، وتتأخر النتائج، ويظل الإنسان متمسكاً بما آمن به.
كنت أؤمن بأن الله إذا أراد أمراً هيأ له أسبابه، وأن ما بدأته بنية صادقة يستحق مني الصبر حتى تتضح إمكانية إتمامه.
وخلال تلك السنوات، لم تكن نورة بالنسبة إليّ مجرد حالة مرضية تنتظر متبرعاً، بل أصبحت قصتها جزءاً من رحلتي الإنسانية، وأصبح الأمل في تخفيف معاناتها دافعاً للاستمرار.
من الرياض إلى الدمام… حين عاد الأمل
وبعد سنوات من الانتظار، جاءت البشرى من مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، حيث توصل الفريق الطبي إلى حل لمشكلة الأجسام المضادة التي كانت تحول دون إتمام التبرع المباشر لنورة.
كان ذلك الخبر نقطة تحول في الرحلة.
فبعد أن بدا التبرع المباشر متعذراً، عاد الأمل من جديد، وبدأت مرحلة أخرى من الفحوصات والإجراءات الطبية في الدمام.
انتقلت من محافظة الخرج إلى المنطقة الشرقية، مستكملاً ما بدأته في الرياض، حتى جاء اليوم الذي تكللت فيه العملية بالنجاح بفضل الله.
لقد كانت رحلة امتدت سنوات، بدأت بمناشدة قرأتها في صحيفة، ومرت بعقبات طبية وانتظار طويل، ثم انتهت بإتمام التبرع.
ولم تكن أعظم لحظاتها لحظة دخولي غرفة العمليات، بل إدراكي أن قراراً اتخذته استجابة لمعاناة إنسانة لا أعرفها قد أصبح واقعاً.
حين أصبح القرار حقيقة
لم أكن أبحث عن بطولة، ولم أقدم على التبرع طلباً لشهرة أو تكريم، وإنما كنت أرجو الأجر من الله، وأن أكون سبباً في تخفيف ألم فتاة أنهكها المرض.
كنت أدرك أنني سأعيش بقية عمري بكلية واحدة، وأن هذا القرار ليس أمراً بسيطاً، لكنه كان قراراً اتخذته عن قناعة وبعد الإجراءات الطبية اللازمة.
وحين انتهت العملية، شعرت بأنني لم أقطع رحلة بين مدينتين فحسب، بل قطعت رحلة طويلة بين مناشدة أم وعودة الأمل إلى قلبها.
لقد علّمتني تلك التجربة أن بعض أعمال الخير لا تتحقق بمجرد الرغبة فيها، بل تحتاج إلى الصبر والثبات والاستعداد لتحمل المسؤولية.
بدأت القصة بإعلان في صحيفة، ثم أصبحت قراراً، وتحول القرار إلى رحلة، وانتهت الرحلة بعطاء من الجسد.
لكنني لم أكن أعلم أن الأثر الأكبر لم يبدأ إلا بعد انتهاء العملية.
فقد كانت هناك قصة أخرى تنتظرني… قصة ما تركه التبرع في نفسي، وما علّمني إياه عن الحياة والرحمة والإنسانية.
وللقصة بقيه……






