مقالات وشعر

منحتُها جزءاً من جسدي… فمنحتني معنى الحياة .. تكملة القصة

بقلم: سعود حماد العنزي

انتهت العملية، ومضت الأيام، لكن القصة لم تنتهِ في داخلي.

كنت أظن أن أعظم ما في التبرع هو أن تمنح إنساناً فرصة للتخفيف من معاناته، لكنني اكتشفت بعد تجربتي أن للعطاء أثراً آخر لا تراه العيون، ولا تقيسه التقارير الطبية، وإنما يستقر في أعماق النفس.

لقد منحت نورة إحدى كليتي، لكنني خرجت من تلك التجربة بشيء لم أكن أتوقعه؛ نظرة مختلفة إلى الحياة، وإحساس أعمق بقيمة النعم، وإيمان أكبر بأن الإنسان يستطيع أن يكون سبباً في الخير حتى لمن لا تربطه بهم أدنى قرابة.

الأثر في نفسي… حين اكتشفت أن العطاء لا ينقصنا

قبل التبرع، كنت أؤمن بأن مساعدة الآخرين من أعظم القيم الإنسانية، لكنني بعد العملية أدركت أن هناك فرقاً بين أن نتحدث عن العطاء، وبين أن نعيشه بجزء من أجسادنا.

لقد خرجت من المستشفى بكلية واحدة، لكنني خرجت بقلب أكثر إحساساً بآلام الآخرين، وأكثر إدراكاً لقيمة الصحة والحياة.

لم يكن ما بقي في نفسي شعوراً بأنني قدمت تضحية تستحق المديح، بل شعوراً بالامتنان لله الذي أتاح لي فرصة أن أكون سبباً في تخفيف معاناة إنسانة أخرى.

وأدركت أن الإنسان قد يمنح شيئاً من جسده، لكنه يجد في المقابل معنى إنسانياً لا يمكن تقديره بالمال.

فبعض العطاء لا ينقص الإنسان، بل يزيده رحمةً ووعياً وطمأنينة.

دموع أم… وأثر لم تصفه الكلمات

من أكثر المواقف التي أعادت إليّ مشاعر تلك الرحلة، ما حدث خلال مشاركتي في برنامج «معالي المواطن» عام 2018، عندما تحدثت والدة نورة عن تجربة ابنتها ومعاناتها الطويلة.

كانت كلماتها تحمل مشاعر أم عاشت سنوات من الخوف والانتظار، ثم رأت باباً من الأمل يُفتح أمام ابنتها.

لم أتمالك دموعي.

لم تكن دموع ندم على ما قدمته، ولا حزناً على ما فقدته من جسدي، بل كانت تأثراً صادقاً بمشاعر أم وجدت في التبرع فرجاً بعد معاناة طويلة.

في تلك اللحظة، أدركت أن ما قدمته لم يكن مجرد كلية، بل كان أملاً لأسرة عاشت سنوات وهي تنتظر الفرج.

وهنا عرفت أن بعض المواقف لا تحتاج إلى كلمات كثيرة، فدمعة صادقة قد تختصر حكاية كاملة.

التكريم الملكي… شرف ومسؤولية

ومن المحطات التي أعتز بها في هذه التجربة، تشرفي بالحصول على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الثالثة، الذي منحه لي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وتسلمته من محافظ الخرج آنذاك الأستاذ مساعد بن عبدالله الماضي في مارس 2018.

كان ذلك التكريم وسام شرف أعتز به، وتجسيداً لما توليه قيادتنا الرشيدة من تقدير للأعمال الإنسانية وقيم التكافل.

لكنني كنت أرى أن قيمة التكريم لا تقف عند شخصي، بل تمتد إلى الرسالة التي يحملها؛ أن الخير مهما كان صامتاً، فإن أثره يستحق أن يُحتفى به، وأن التضامن الإنساني قيمة أصيلة في مجتمعنا السعودي.

ولم يغيّر التكريم نظرتي إلى ما فعلته، بل زادني شعوراً بالمسؤولية تجاه نشر ثقافة العطاء وتشجيع المبادرات الإنسانية الواعية.

نورة… أكثر من مجرد متلقية للتبرع

لم تكن نورة بالنسبة إليّ مجرد فتاة تبرعت لها بكليتي، وانتهت علاقتي بقصتها عند نجاح العملية.

لقد بقيت معاناتها حاضرة في وجداني، خصوصاً ما يتعلق بمشكلة بصرها، وما كنت أرجوه لها من فرص علاج وحياة أفضل.

وخلال ظهوري الإعلامي، ناشدت خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز النظر في إمكانية علاج بصرها، أملاً في أن تكتمل فرحتها بالصحة والعافية.

فقد أدركت أن العطاء لا ينتهي بالضرورة عند تقديم المساعدة، بل قد يبقى في القلب اهتمام صادق بمستقبل من ساعدناه.

الأثر الإنساني… حين تسقط المسافات بين الغرباء

لم تكن نورة ابنتي، ولا أختي، ولا قريبتي، ولم تجمعني بها معرفة سابقة.

ومع ذلك، أصبحت قصتها جزءاً من حياتي.

وهنا تكمن الرسالة التي أريد إيصالها.

إن الإنسانية لا تسأل عن الأسماء أو الأنساب، ولا تنتظر وجود مصلحة حتى تتحرك، بل تبدأ عندما نشعر أن معاناة الآخرين تعنينا، وأن ما نملكه من نعم يمكن أن يكون باباً لمساعدتهم.

لقد علّمتني هذه التجربة أن التكافل ليس كلمات نرددها في المناسبات، بل أفعال نترجم بها قيم ديننا ومجتمعنا.

وأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بما نسمعه من ثناء، وإنما بما نتركه من خير في حياة الآخرين.

ماذا بقي في نفسي بعد كل هذه السنوات؟

بقيت الذكريات، وبقي الشعور بالامتنان، وبقي درس لا يفارقني.

كلما استعدت رحلتي من إعلان الصحيفة إلى مستشفيات الرياض والدمام، ثم إلى يوم العملية وما أعقبه من مواقف، أدركت أن أعظم ما خرجت به لم يكن التكريم، ولا الإشادة، بل ذلك الشعور العميق بأن الله وفقني لعمل أرجو أن يكون خالصاً لوجهه الكريم.

لقد تعلمت أن قيمة الإنسان ليست فيما يجمعه لنفسه، بل فيما يستطيع أن يقدمه لغيره.

وأن الحياة قد تمنحنا فرصاً لصناعة الخير، لكنها تحتاج منا إلى قرار وشجاعة وصبر.

رسالتي لكل من يقرأ قصتي

لا أروي هذه التجربة لأدعو كل إنسان إلى التبرع بجزء من جسده، فالتبرع بالأعضاء قرار طبي وإنساني كبير، يتطلب قناعة شخصية وتقييماً طبياً دقيقاً.

وإنما أرويها لأقول إن كل إنسان قادر على ترك أثر.

قد تصنع أثراً بكفالة يتيم، أو مساعدة مريض، أو تفريج كربة محتاج، أو الوقوف إلى جانب إنسان لا يعرفك، لكنه يحتاج إلى من يشعر بمعاناته.

ليس المطلوب أن نقدم جميعاً التضحية نفسها، وإنما أن نحمل جميعاً الرحمة نفسها.

فالأثر الإنساني لا يُقاس بحجم ما نقدمه، بل بصدق ما نقدمه، وما يتركه من خير في حياة الآخرين.

هذا أنا… وهذه حكايتي مع الأثر

أنا سعود حماد العنزي.

بدأت حكايتي بإعلان في صحيفة، ثم قرار بالتبرع، ورحلة طبية امتدت سنوات بين الرياض والدمام، حتى وفقني الله للتبرع بإحدى كليتي لفتاة يتيمة كفيفة لا تربطني بها أدنى صلة قرابة.

لكن الحكاية لم تنتهِ عند نجاح العملية.

فقد اكتشفت أنني حين منحت جزءاً من جسدي، لم أكن أمنح نورة وحدها أملاً في حياة أفضل، بل كنت أعيش تجربة ستعلّمني معنى آخر للحياة.

واليوم، حين أستعيد تلك السنوات، لا أسأل نفسي ماذا فقدت، بل ماذا تعلمت؟

تعلمت أن الرحمة أوسع من القرابة، وأن الخير لا يحتاج إلى معرفة مسبقة، وأن بعض القرارات التي نتخذها في لحظة إنسانية صادقة قد تترك أثراً يمتد طوال العمر.

لقد منحتها كلية من جسدي، لكنها منحتني، دون أن تدري، درساً عظيماً في معنى الحياة.

وهذا هو الأثر الذي بقي في نفسي.

وهذه هي قصتي التي أردت أن أرويها، لا طلباً للثناء، وإنما إيماناً بأن قصص الخير تستحق أن تُحكى، وأن الأثر الأجمل هو ما يبقى في القلوب بعد أن تنتهي المواقف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى