
بقلم ✍️ راشد بن محمد الفعيم
إذا سلكت طريق الملك فيصل، رحمه الله، باتجاه الغرب خارجًا من مدينة بريدة، ثم اتجهت إلى الجنوب مع طريق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ومشيت تقريبًا كيلومترًا باتجاه الجنوب في وسط خب روضان، يأتيك مجلس على يمينك إذا كان وجهك باتجاه الجنوب.
مجلس دائم، عامر بالضيوف والزوار من الكبار والصغار، مجلس لا سور له، مفتوح للجميع، وصاحبه يرحب ويهلي بجميع المارة بصوت عالٍ: يا هلا، حياكم الله، تفضلوا.
قال الشاعر، رحمه الله:
أمل الوجار وخَلِّ الباب مفتوح خوف المسير يستحي ما ينادي
وهذا بيت من قصيدة الشاعر محمد بن شلاح المطيري، رحمه الله.
وأقول: بل وجدنا مجلسًا لا باب له ولا سور، كناية عن الكرم واستقبال الضيوف.
وكنت من ضمن الذين مروا مع صديقي المهندس عبدالله الجربوع، نمشي على الأقدام بعد صلاة العصر، فنادانا بأعلى صوته:
يا هلا، حياكم الله، تفضلوا.
فذهبنا إليه، فرحب بنا وهلَّ، وقدم لنا القهوة والشاي وأنواعًا من التمور والبخور الطيب.
في مجلس جميل جدًا، بُني وأُسس على الطراز القديم، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث مع عدد من أهالي خب روضان، الذي يقع غرب مدينة بريدة.
وسُمّي الخب بهذا الاسم لأن كلمة خب في لهجة أهل نجد تُطلق على المنخفض الواسع من الأرض الذي تتجمع فيه مياه الأمطار، ولذلك تنتشر في مثل هذه المواقع النباتات البرية بعد الأمطار.
وأصحاب هذا المجلس من أسرة الروضان المعروفة والمشهورة وذائعة الصيت في القصيم وخارجها، وهم من العمارات من عنزة، وهم أمراء بلدة خب روضان، المعروفة بأنها من أجمل أرياف بريدة الغربية. وكان أميرها طيب الذكر حسين بن روضان الروضان، رحمه الله. ومن أبنائه إبراهيم بن حسين الروضان، من تجار بريدة، رحمه الله، ومنهم عبدالله بن حسين الروضان، وعميدهم محمد بن روضان الروضان، وكان عثمان بن حسين رئيسًا لمركزهم، ثم أصبح محمد العبدالله الروضان رئيسًا لها
والان رئيس المركز الاستاذ/وليد بن عثمان حسين الروضان
لا شك أن هذه المجالس تعود بنا إلى الذكريات، ذكريات الآباء والأجداد، حيث كانوا يجلسون جميعًا ويتجاذبون أطراف الحديث، ويستفيد بعضهم من بعض من خبراتهم التجارية والزراعية.
كما يُستفاد من هذه المجالس معرفة الناس وقبائلهم، وكانت هذه المجالس مجالس ثقافية وتعليمية وترويحية عن النفس، وكانت تُعقد فيها الصفقات من البيع والشراء، ومعرفة أحوال الجيران وأهالي البلدة من الفقراء والأيتام والأرامل والمطلقات، فيسعون في قضاء حوائجهم.
وكان الشاب يحرص على حضور هذه المجالس وإظهار إبداعه في الحديث، وإظهار أنه يتقن الجلوس مع الرجال، لعل أن يكسب من أحد كبار السن عرضًا مغريًا، إما بالعمل لديه أو بالزواج من إحدى فتيات وبنات المجاورين المرتبطين بهذه المجالس الجميلة جدًا.
وهذه ميزة المجالس المفتوحة على الآخرين، خلاف المجالس المغلقة التي تقتصر على عدد قليل.
ومن خلال تجربتي في استقبال الضيوف، فإن المجالس المفتوحة تعرفك على عدد كبير من الناس، وتكسبك خبرة في معرفة الآخرين بأسمائهم وقبائلهم، ومن أي المحافظات ينتمون إليها، وعددًا من الخبرات والمعلومات التي تكتسبها من المجالس المفتوحة للجميع، بخلاف المجالس المغلقة التي يرتادها العدد القليل، فلا فيها خبرة ولا سالفة جديدة، والمجالس المنغلقة تدور فيها القصة والموقف عدة مرات بينهم، ويكررون الأحاديث المملة، ومنغلقون على أنفسهم، ومجالسهم تعلوها الكآبة، ولا يرغبون بالاحتكاك بالآخرين، ويصابون مع الوقت بالرهاب الاجتماعي.
أما المجالس المفتوحة والاحتكاك بالآخرين، فينميان موهبة الفراسة والمعرفة، وكثيرًا من الأمور التي نجهلها.





